الفساد المرتبط بالوظيفة العامة ظاهرة عالمية، فهو منتشر في كافة دول العالم دون استثناء، إلا أنه بالطبع درجات ونسب تعلو هنا وتنخفض هناك، وفي بعض البلدان يصل إلى مستويات خطيرة تنذر بنهايات وخيمة. وقد ثبت أن أكثر الدول محاربة للفساد، بمعنى توفر الشفافية، هي أكثر الدول استقرارا وأمنا. تذكرون خطر «الثالوث المخيف» الذي يكبل الدول المتخلفة: الفقر والجهل والمرض، غير أن خطر الفساد أعظم من إعاقة ثالوث التخلف هذا، وقد ثبت عمليا أن الفساد هو المسبب الأول للتخلف، وما الفقر ولا الجهل والمرض، إلا علامات أو نتائج مبدئية لوجود الفساد ذاته، مهما كان حجم المساعدات الخارجية، أو حجم ثراء الدولة المتفشي فيها الفساد، أما نتائجه النهائية فهي أن تعم الفوضى كافة نظم المجتمع، وأن تعم النقمة كافة أفراده، حمى الله ديارنا وديار المسلمين من هذه الشرور.
وقد تضمن خطاب خادم الحرمين الشريفين أمام مجلس الشورى، بداية هذا الأسبوع، إشارة واضحة وصريحة إلى محاربة الفساد والقضاء على الروتين، وهما أكبر عقبتين تواجهان عملية التنمية الشاملة التي تخوضها بلادنا. وقد كان الحديث عن الفساد خافتا فيما سبق، تماما كالحديث عن الفقر في بلادنا، قبل أن يعلن عنهما خادم الحرمين الشريفين بكل شجاعة، ليقطع دابر المزايدين، بوضع الأمة على طريق التصحيح والمراجعة والمكاشفة والشفافية المطلوبة لمعالجة المشاكل، بدلا من إخفائها، أو إخفاء وجوهنا في الرمل دونها، وترديد متلازمة

الفساد والروتين هما أكبر عقبتين تواجهان التنمية الشاملة في بلادنا

«الخصوصية السعودية» بأننا مجتمع من النبلاء يعيشون في مدينة الفارابي الفاضلة. الاعتراف بالداء أول طريق العلاج، وها قد تحمل عبء إعلانها عنا خادم الحرمين بضرورة محاربة الفساد، فوضع الأمة، مسؤولين ومواطنين، أمام المسؤولية في محاربة هذا الداء العضال، الذي يفتت أقوى اقتصاد.
ومحاربة الفساد في بلدنا لا تتطلب إصدار المزيد من القوانين أو اللوائح، لدينا ما يكفي منها أو يزيد، الأهم هو تفعيل هذه القوانين والأنظمة المالية في كل ما يتعلق بالوظيفة العمومية وإدارة المال العام، كالإفصاح عن مصدر الدخل، مثلا، أوعدم تعارض الأنشطة التجارية الخاصة مع المهام الوظيفية العامة، أمثلة كثيرة أخرى مطبقة ومنفذة في بلدان عدة حول العالم. وإذا نظرنا حولنا سنجد أن نظامنا المالي في المملكة يستخدم «ميزانية البنود» في اعتماد ميزانيتنا العامة، وميزانية البنود أداة رقابية في المقام الأول، تضمن لوزارة المالية تتبع تمويل كافة أبواب الميزانية وبنودها وطرق الإنفاق حتى نهاياتها. ثم هناك ديوان المراقبة العامة، وهيئة الرقابة والتحقيق، وهما جهتان حكوميتان تقومان بعملهما منذ سنين، وقد تجمع لديهما، ولا شك، كم كبير من التجارب والخبرات في مكافحة الفساد الإداري والمالي. كما أن هناك جهاز يدعى، فيما أظن، المباحث الإدارية.
ومع ذلك، أي بالرغم من جهود وزارة المالية عبر الميزانية العامة، وجهود أكثر من جهاز حكومي، فإن هناك فسادا إداريا وماليا ووظيفيا وهذا ما دعا خادم الحرمين الشريفين إلى محاربته، ولأن خطاب خادم الحرمين ألقي في مجلس الشورى، فإني أرى أن للمجلس دورا كبيرا في محاربة الفساد المالي، وبدلا من الاكتفاء بالمطالبة المستمرة بتوسيع صلاحياتهم، وهو حق مشروع، أرى أن يتوسع أعضاؤه الكرام في ما هو متاح لهم فعلا، يمكنهم، مثلا، التدقيق بدرجة أكبر وأعمق في تقارير وزارة المالية، فإن لم يكن، ففي تقارير ديوان المراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق، والمطالبة بالمزيد منها، والمزيد من جلسات الاستماع والتدقيق والأسئلة المحفزة.
جميعنا يعرف مبدأ «من أين لك هذا؟» وقد أثير أو طبق في بلدنا قبل نحو ثلاثين عاماً، إلا أنني دهشت عندما أعلمني صديق، أن مجلس الشورى الموقر، كان قد انتهى تقريبا من نقاش تنظيم لهذا المبدأ بهدف تطبيقه قبل نحو عامين، إلا أنه لم يخرج إلى النور حتى اليوم. قد تكون مناقشته والانتهاء منه أجدى من انشغال المجلس في أمور جانبية كقضية قيادة المرأة للسيارة أو مشكلة العنوسة مثلا. فهل نطمع من مجلسنا الموقر، وقد ألقي الخطاب الملكي بين ظهراني أعضائه الكرام، أن يسارعوا إلى تقديم المشروع للتنفيذ؟ ستكون هذه أجمل هدية وأعظم انجازيقدمونه إلى خادم الحرمين الشريفين وقد طرق به بابهم، في أول خطاب ملكي له أمامهم، وفي هذا من الرمز ما يكفي. إن فعلوا فإن التاريخ والوطن سيسجلها لهم بأحرف من ذهب، وقد أهداهم الملك الصالح هذه الفرصة التاريخية، فهل يهتبلونها؟ آمل ذلك، والله الهادي إلى سواء السبيل.