لم أشهد في حياتي، التي تخطيت خمسينها الأولى، شتاء دافئاً وربيعاً ساخناً، ومطراً محتجباً مثل هذا العام، ولو أن هذا الجفاف قد حدث قبل أربعين عاماً، لكانت الكارثة وطنية شاملة، حيث ستنفق قطعان الماشية وتجف آبار الزراعة، وتصبح «الوسمية» غباراً يغطي الأودية، وسيرحل الكثير من الناس، إلى العراق والشام، أو إلى الحبشة والسودان واليمن.
ولكن الله رحمنا من تلك التبعات، فخرجت الثروة من باطن الأرض لتغدو بلادنا دولة ريعية، ويجد الكثير من المواطنين في الوظيفة الحكومية والتجارية، وفي مضاربات العقار والأسهم، مصدراً بديلاً للرزق.
لقد تمت القطيعة مع المصادر التاريخية للمعيش، ودخلنا مرحلة أخرى، ارتبطت تماماً بالبترول، تصديراً وتقطيراً وتحويلاً صناعياً، وكما غدت «مصر» على مر العصور «هبة للنيل»، فقد غدونا في زمن لا يزيد عن نصف قرن «هبة للنفط».
لم نكترث لعدم هطول الأمطار، ولسان حالنا يسخر من الشاعر الذي تعلق مصيره بالمطر، فشبّه حديث محبوبته بالقطر قائلاً:
وحديثها كالقطر يسمعه
راعي سنين تتابعت جدباً
فأصاخ يرجو أن يكون حياً
ويصيح من فرح هيا ربّا
لم نكترث للغيم، ولكننا اكترثنا حين تراكمت أزماتنا المعيشية على مدار عشرين عاماً خلت، جراء تدني سعر برميل البترول إلى معدل عشرة دولارات، فارتفعت مديونية الدولة، إلى سبعمائة مليار ريال، وظهرت البطالة، وعجزنا عن تأمين مقاعد دراسية لطلابنا في الجامعات، وتجمّدت كثير من مشاريع البنى التحتية في انتظار غيوم أسعار النفط.
أما اليوم، والحق أن الأمر قد بدأ منذ عامين، فإننا نعيش ما قاله محمود درويش ذات قصيدة: «هنالك غيمٌ شديد الخصوبة»، وعلينا أن نصغي لاشتراطات تلك الخصوبة، حيث يُتبع درويش هذا التأمل بقوله «لابد من تربة صالحة».
إنها الفرصة الذهبية الناتجة عن ارتفاع مداخيل النفط، والمؤمل أن تستمر لمدة لا تقل عن أربع سنوات، حيث يصل الدخل السنوي من النفط وحده حوالى 160

التنمية البشرية تنهض بتعزيز الشعور بالمواطنة من خلال الإصلاح

مليار دولار، وعلينا أن نهيئ التربة الصالحة لاستثماره، لا من أجل إطفاء مديونية الدولة، وتطوير البنى التحتية فحسب، ولكن من أجل بناء مشروع التنمية المستدامة التي ستعيننا على مواجهة تحديات مستقبل لا نفط فيه،، مستقبل الحياة القاسية، والقريبة جداً من أقدامنا.
إن النفط ليس كالمطر، وهو ثروة ناضبة، حتى وإن كان مخزوننا الاحتياطي يصل إلى 260 مليار برميل، لأننا حين نستمر في زيادة الإنتاج لمواجهة الطلب العالمي، فإن بترولنا سينضب في مدة لا تزيد عن أربعين عاماً، إما إذا بدأ العالم كما اعتقد في البحث عن بدائل جديدة، فلن نجد له سوقاً كافية بعد عشرين عاماً على الأكثر!!
لست من المتشائمين، ولست من المنشغلين بمؤشر الأسهم لأغمض عيني، ولكنني ممن حباهم الله نعمة حب الوطن، ولذا فما أنفكّ أتخيّل -لا قدّر الله- ذلك اليوم الذي تتوقف فيه شبكات الكهرباء، ومعامل تحلية المياه، ويجف فيه ضرع النفط، فأرى مصيراً قاتلاً.
إنني آمل أن نعظم استفادتنا من هذه الطفرة الجديدة، وألا تمر كسابقتها، وأرى أن علينا ألا ننسى -في غمرة أمطار أموال النفط الجديدة- التفكير في مرحلة نضوبه، وذلك بالتركيز على محورين:
الأول: التنمية الاقتصادية والاستثمار الخارجي، وذلك عبر ترشيد الإنفاق، وتفعيل آليات المراقبة والمحاسبة، ووضع خطة للتنمية الصناعية والتكنولوجية، لإيجاد مصادر إضافية لدخل النفط، وكذلك العمل على تخصيص جزء من الدخل كصندوق استثماري صناعي وعقاري ومالي لصالح الأجيال القادمة، وأن تستثمر موجوداته في الدول الصناعية المتقدمة.
وبالتوازي مع هذا التوجه، فإن علينا وضع خطة للتنمية الموازية، لاستثمار المصادر الاقتصادية غير النفطية وهي (الموقع الديني، الشمس، البحر، التمر، الرمل، والسياحة)، ولذا لابد من البدء في استثمار هذه القطاعات بشكل استراتيجي منذ اليوم، وذلك بالاستمرار في تطوير خدمات الحج والعمرة بالتكامل مع قطاع السياحة والآثار، ودراسة كافة الإمكانات للإفادة من التمور بتحويلها كمادة سكرية، يمكن استخدامها في كثير من المجالات الغذائية والطبية، ودراسة إمكانية الإفادة من الصناعات القائمة على استخدام الرمل كصناعة الزجاج وغيرها، وتطوير أبحاث الطاقة الشمسية والبدء في تجربة الاعتماد عليها في إنتاج الطاقة الكهربائية لمدينة صغيرة مثلاً، أو لتشغيل محطة تحلية صغيرة، والعمل على تطوير أبحاث تحلية المياه، والإفادة من مياه الأمطار المتساقطة على التجمعات السكنية والشوارع وتخزينها لاستخدامها في الري.
أما المحور الثاني، فإنه يركز على التنمية البشرية، حيث إن أهم مقومات التنمية المستدامة، تنطلق من تطوير كفاءة القوى البشرية، معرفياً وثقافياً وإنسانياً وقانونياً، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال تطوير المناهج التعليمية بشكل جذري، وتهيئة البيئة الثقافية والاجتماعية المحفزة للتفكير والبحث والإبداع والتأمل الحر الخلاق، لأن العقل المغلول لا يمكن أن يبدع أو يكتشف أو يجيد استخدام مفاعيل التقنية دون وجل أو خوف.
كما أن التنمية البشرية تنهض أيضاً في ظل تعزيز الشعور بالمواطنة وذلك من خلال الإصلاح الشامل، في ظل دولة القانون والمؤسسات، ومبادئ العدالة والحرية والمساواة أمام القانون، والمشاركة الشعبية في صناعة القرار اليومي والاستراتيجي.
وبالرغم من إقرارنا بصعوبة تطبيق آليات عمل الإصلاح الشامل دفعة واحدة، وتقديرنا لضرورة الأخذ بمبدأ التدرج، إلا أننا حين نرى شبح نضوب البترول الذي يتهددنا جميعاً، فإنه لا يتبقى أمامنا من خيار سوى القول بضرورة تسريع وتائر الإصلاح وتفعيل آليات عمله، كجزء أساس من متلازمة تنمية (الإنسان/ المواطن) وتهيئته لمواجهة مصيره.
إن علينا أن نعلم أن التاريخ لا يرحم، وأن أولى واجباتنا توفير مستلزمات الحد الأدنى للحياة الكريمة للأجيال القادمة، وأن ندفعهم إلى مواجهة أقدارهم وهم مسلحون بالعلم والتقانة والخبرة والثقافة الحقوقية والإنسانية، وبالقدرة على التعامل المعافى مع الآخر، الذي قد نعمل في بلاده، كما عمل أجدادنا، رغماً عن كل تقوقعنا ورفضنا الآني له.