مازالت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، عندما كان ولياً للعهد، لأحد أحياء الرياض الفقيرة في شهر رمضان المبارك من العام 2003م تلقى الترحاب من مختلف الأوساط العالمية المهتمة بمكافحة الفقر حتى يومنا هذا خاصة في ضوء ما تمخضت عنه من عمل على إعداد خطة وطنية بعيدة المدى لمكافحة الفقر، وصندوق خاص لتمويل برامجها، واعتماد عدد من مشاريع الإسكان الخيرية، ومشاريع الأسر المنتجة، وإنشاء صندوق لتوظيف السعوديين، وزيادة مرتبات موظفي القطاع العام بمن فيهم المتقاعدون وذوو الدخول المتدنية، وغيرها من البرامج التي صممت ومازالت تصمم لمواجهة الفقر والقضاء عليه.
ورغم تحسن الأوضاع منذ تلك الزيارة الميمونة التي كشفت المستور وأعطت إشارة البدء في السماح بالحديث عن المسكوت عنه في سبيل إصلاحه، إلا أن موقفنا الإحصائي في قضية الفقر مازال سيئاً على المستوى العالمي، فكافة الإحصاءات والبيانات الصادرة على المستوى العالمي بهذا الخصوص تفتقر إلى معلومات محددة عن المملكة مما تسبب في حرمان المختصين من المواطنين وفي الهيئات الدولية من إجراء دراسات وأبحاث عميقة تتخطى العموميات لاستكشاف غور مشكلة الفقر والظواهر المرتبطة بها وتلمس أسبابها الحقيقية كخطوة مبدئية للتعامل معها وعلاجها.
لقد تسبب النقص في البيانات في عدم إدراج بلادنا ضمن ترتيب الدول من حيث الشفافية لتسبقنا كافة دول العالم التي تقدم بيانات للجهة الدولية المختصة في الترتيب بما في ذلك الدول الأكثر فساداً.
ولذلك لا يمكن إدراج المملكة ضمن دراسات توزيع الدخل على المستوى العالمي ولا يمكن حساب معامل توزيع الدخل (جني GINI)

غياب البيانات لا يعني إلغاء الحقائق والتستر على الأخطاء لايعني إصلاحها

المتعارف عليه عالمياً، ولذلك يتم استثناء المملكة من كافة الدراسات العالمية التي تتم في هذا الاتجاه حتى على مستوى (مجموعة العشرين) التي تعتبر المملكة إلى جانب فرنسا والولايات المتحدة من أهم أعضائها مما ينعكس في حرماننا من نتائج تلك الدراسات الهامة التي من الممكن أن تساعدنا في تلمس العديد من مشاكلنا التنموية ومنها على سبيل المثال لا الحصر محاولة الوصول إلى إجابة شافية على اتجاه متوسط الدخل الحقيقي للفرد السعودي خاصة في العقد الأخير.
إن النقص في البيانات التنموية المتاحة أمام الباحثين والمهتمين تتسبب في رسم صورة غير صحيحة عن حقيقة الأوضاع في بلادنا ففي حساب مؤشر التنمية الإنساني HDI المعتمد في برنامج الأمم المتحدة للإنماء تظهر أرقام المملكة تحسناً في أداء المؤشر ولكن ترتيبها بين الدول يتراجع من عام إلى آخر لتصل إلى المرتبة 77 عام 2004م مما يعني أن 76 دولة أخرى أفضل منها في هذا المجال رغم أن أسماء بعض تلك الدول لا يوحي بذلك ولكن يبدو أن حال بياناتها الإحصائية أفضل من حال بياناتنا فعكست صورة أفضل من صورتنا. وما لم نتنبه له في هذا السياق أن من يتعاملون مع البيانات يمكن أن يفسروها بتفسيرات غير التي نتوقعها، ففي معرض تفسيرهم لأسباب تراجع ترتيب المملكة بين الدول المعتمدة في المؤشر رغم ارتفاع قيمته من عام إلى عام يرى الخبراء الذين قاموا بإعداد التقرير أن السبب يعود إلى أن أداء دول أخرى تحسن في مجال التنمية الإنسانية بمقدار يفوق مقدار تحسنه في المملكة مما تسبب في دفع المملكة إلى مراتب متأخرة، وهذا من وجهة نظري غير صحيح بالنسبة لكثير من الدول التي تسبقنا بالترتيب، ومن المؤكد أن النقص في البيانات هو المسؤول الرئيسي عن هذه الصورة المغلوطة.
والغريب في الأمر أن باقي دول العالم العربي ليست بأفضل حال من المملكة في مجال إحصاءات الفقر وتوزيع الدخل على وجه الخصوص، ولا تقوم الغالبية العظمى من الدول العربية بجمع أي إحصاءات دورية ذات جدوى في هذا الاتجاه فيما عدا ست منها لسبب بسيط جداً، وهو أنها تحتاج للإعانات الدولية ويعتبر تسليم مثل هذه البيانات للمنظمات الدولية ذات الاختصاص أمراً إلزامياً لا مناص منه كشرط للحصول على تلك الإعانات.
إن غياب البيانات لا يعني إلغاء الحقائق، والتستر على الأخطاء لا يعني إصلاحها، والاستعانة بالخبراء والأجانب في إجراء الدراسات والأبحاث دون نشر نتائجها لا يقود دائماً إلى خير، بل يساهم في حرمان العالم من نتاج تجارب إنسانية لا تقدر بثمن، وفي حرمان المسؤولين والمواطنين من التأكد من مدى الاستفادة من أولئك الخبراء وإمكانية مقارنة أدائهم بأداء الكوادر الوطنية.
إن الصورة التي تعكسها البيانات الناقصة والخاطئة عن بلادنا هي صورة مشوشة وباهتة وتحتاج إلى الكثير من إعادة البناء والشفافية والمصداقية في كافة عمليات إخراجها بدءاً بالتخطيط للجمع وانتهاء بالنشر والتوزيع حتى نتمكن من الاستفادة منها في تلمس مواطن القوّة والخلل في اقتصادنا وبنياننا الاجتماعي والثقافي وحتى يتعرف علينا العالم بشكل أفضل من خلال إنجازاتنا وتلمسنا لأخطائنا وعيوبنا في سبيل تعديل أوضاعنا وإصلاح أمرنا.
altawati@hotmail.com