السياسة قبل الاقتصاد... دائماً..!؟
هناك جدل قديم متواصل، يصل لدرجة السفسطة بين أكاديميي وطلبة ومريدي أهم حقلين في العلوم الاجتماعية: الاقتصاد والسياسة. أيهما يأتي أولاً.. وأيهما تابع للآخر: المتغيرات الاقتصادية هي التي تتحكم في العملية السياسية.. أم أن السياسة هي التي تشكل صورة البيئة الاقتصادية في المجتمع، رغماً عن معطيات وضعية الحالة الاقتصادية.. أي الحقلين يتمتع بمنهجية علمية قادرة على تفسير الظواهر الاجتماعية وتوقع حركتها المستقبلية: الاقتصاد بأدواته التحليلية الكمية الصارمة، أم السياسة بأدواتها المنهجية النوعية المرنة، التي تأخذ في عين الاعتبار ليس فقط المتغيرات المادية الظاهرة، ولكن أيضاً لا تغفل عامل القيم في دراسة الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتحليلها والاجتهاد في تتبع حركتها المستقبلية.
جدل لا ينتهي يعكس في كثير من الأحيان تحيزاً أكاديمياً، بعيداً عن القضية الأساسية: أي الحقلين العلميين... بل أي الظاهرتين الاجتماعيتين تتمتع مدخلاتها في النظام السياسي والبيئة الاقتصادية بميزة تنافسية ( أكاديمية )، في تشكيل وفهم أوضاع البيئتين السياسية والاقتصادية.
بدون كثير معاناة نستطيع أن نتلمس أثر القرارات السياسية في تشكيل الأوضاع الاقتصادية في أي مجتمع من المجتمعات، بعيداً عن حقائق ومعطيات الأوضاع الاقتصادية المتاحة والمحتملة. لو أخذنا، على سبيل المثال قانون العرض والطلب، لا يمكن ترك هذا القانون الاقتصادي -بالرغم من جدارته الأكاديمية- يعمل ( بحرية مطلقة ) في بيئة سياسية محايدة.. أو حتى في بيئة سياسية ليبرالية، من الناحية الاقتصادية. مستويات الأسعار والأجور في أي مجتمع لا تحددها قوانين العرض والطلب والمنفعة الحدية ومعيار السعر الأمثل، بقدر ما تحددها الإرادة السياسية في المجتمع، تبعاً للاعتبارات السياسية وليس لحقائق الاقتصاد المادية المجردة.
في المجتمعات الرأسمالية الغربية الحكومات هي التي تحدد أسعار الفائدة، التي بدورها تتحكم في العملية الإنتاجية في المجتمع عن طريق تحول الاستثمارات من نشاط اقتصادي إلى نشاط اقتصادي آخر، فتظهر سريعاً الآثار، سواء كانت سلبية أو إيجابية، على مستويات العمالة.. وأسعار العملة.. وحجم المدخرات.. ونشاط البورصة.. وشكل الميزان التجاري مع الشركاء الخارجيين.. وكذلك صورة ميزان المدفوعات المحلي... الخ.
حتى التوجه الحالي نحو الأخذ باستراتيجيات الحرية الاقتصادية، سواء على مستويات الاقتصاد المحلي.. أو الاقتصاد العالمي، لا تعدو كونها قرارات سياسية، في الأساس اتخذتها حكومات محافظة، في المجتمعات الغربية، وليس عن طريق قناعة بالآثار الإيجابية المتوقعة، وفقاً لنظريات الفكر الاقتصادي الليبرالي، الذي ينادي بحرية حركة

السياسة لا الاقتصاد هي المتغير الأساس في فهم الحالة الاقتصادية

رؤوس الأموال.. وإزالة الموانع الحمائية أمام حركة التجارة الخارجية.. والعمل على الحد من تدخل الدولة في العملية الاقتصادية.... الخ. هذا التحول ـ في الأساس هو نتاج لوضع نظام دولي (راهن) مختلف تحكمه قوى رأسمالية طاغية عن ذلك الذي كانت في السابق الأفكار الاشتراكية تتمتع بفرص متساوية لتسويق فكرها الاقتصادي عالمياً.
لنأتي إلى حالة مر بها مجتمعنا، في الفترة الأخيرة. لقد فشلت كل نماذج التحليل الفني والمالي، في تفسير الهبوط الحاد في مؤشر سوق المال السعودي، الذي فقد أكثر من ربع قيمته الاسمية، خلال شهر. بل حتى في فترة الارتفاع الحاد المتواصل في قيمة المؤشر السوقية، منذ بداية العام. فشل المحللين الاقتصاديين والماليين هذا راجع لتجاهلهم لمتغير مهم، في المعادلة، ألا وهو: المتغير السياسي، الناتج عن إدارة مؤسسات صناعة القرار في المملكة، في العملية الاقتصادية، حتى مع أجواء الليبرالية الاقتصادية السائدة في المجتمع.
علينا ألا ننسى أن هيئة سوق المال، هي هيئة حكومية. وعلينا ألا ننسى أن التدفقات المالية في شريان الحياة الاقتصادية في المجتمع منوطة بوزارة المالية، وبالذات مؤسسة النقد العربي السعودي.. وعلينا ألا ننسى أن التحكم في مستويات الأسعار والمدخرات ومعدلات التضخم، من مسؤوليات المؤسسات المالية الحكومية في المجتمع.. وعلينا ألا ننسى أن الحكومة هي أكبر جهة منفقة في المجتمع.. وهي التي تمتلك أدوات الإنتاج الرئيسة، وكذا تدير مصادر الثروة الرئيسية في المجتمع... بل هي التي تمتلك الجانب الأكبر من أصول وكذلك تحصل على النصيب الأكبر من عوائد العملية الإنتاجية، بما فيها تلك التي تشكل مجال وحركة رأس المال الخاص... وأخيراً وليس آخراً: أخذ الدولة بقرار الخصخصة، مهما كان الجدل حوله، هو في الأساس قرار سياسي، قد تبرره اعتبارات اقتصادية، ولكن في النهاية، علينا ألا نغفل المتغيرات السياسية، سواء على المستوى المحلي، أو على المستوى الخارجي، في توجه الدولة، نحو خيار حرية التجارة، الذي توج مؤخراً بانضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية.
كل تلك الحقائق، التي تتحكم في العملية الاقتصادية، في المجتمع، لا ينكر الاقتصاديون خلفيتها السياسية ، وإن كانوا في كثير من الأحيان يشيرون إليها على أنها متغيرات اقتصادية، في الأساس..!؟ هذه المتغيرات ( السياسية )، لا يمكن تجاهلها عند تحليل الحياة الاقتصادية، في المجتمع... أي مجتمع، وإلا جاءت نتيجة الدراسة مبتورة ولا تعكس واقع الحالة الاقتصادية في المجتمع، التي يحرص الاقتصاديون في دراساتهم أن تكون موضوعية ودقيقة. في النهاية: تصور مفهوم التنمية، في أي مجتمع، هو في الأساس قرار سياسي، يتماشى مع الخلفية الاجتماعية والفكرية، التي تعتنقها النخبة السياسية الحاكمة، في أي مجتمع.
لقد فسر الكثير من المحللين الماليين والاقتصاديين بداية الهبوط الحاد في سوق الأسهم، منذ الأسبوع الأخير من شهر فبراير الماضي على أنه حركة تصحيحية للسوق.. وعندما طالت قالوا إنها هبوط حاد.. وعندما استمر المؤشر في الهبوط ترددوا كثيراً في القول إنه انهيار..!؟ المشكلة أن أساسيات التحليل المالي، في ما يخص الاقتصاد الكلي.. وكذا احتمالات النمو في السوق السعودي.. ومستويات الاستقرار السياسي المرتفعة، كلها كانت تتحدى أسس ومبادئ التحليل الكمي الاقتصادي والمالي، سواء فنياً أو مالياً.... واستمر المؤشر يسجل هبوطاً قياسياً، حتى فقد ما يزيد عن 6000 نقطة، في فترة شهر واحد.. وهو ما يعني خسارة شارفت على 30% من قيمة السوق، لتعيده إلى مستويات منتصف العام الماضي.
حتى جاء التدخل، من أعلى سلطة سياسية في البلاد لإنقاذ السوق. وكان قرار دخول المقيمين للسوق.. وكذا قرارات تجزئة الأسهم.. والعودة إلى العمل بأجزاء الريال.. وإنشاء صانع سوق شبه حكومي، من أجل المحافظة على استقرار السوق، أعطت ـ جميعها ـ دفعة قوية للسوق، ليعود الاهتمام، من جديد للمحفزات الاقتصادية الموجودة أساساً في الاقتصاد السعودي على مستوى الاقتصاد الكلي.
السياسة لا الاقتصاد، إذن هي المتغير الأساس في فهم الحالة الاقتصادية، في أي مجتمع. عندما تقف أدوات التحليل الكمي الجامدة والصارمة، عن تفسير حركة أية ظاهرة اجتماعية، فإن ذلك راجع لعدم رعاية اهتمام كافٍ بمتغيرات نوعية، لا يمكن قياسها كمياً بصورة دقيقة، وإن كان من الخطأ إهمالها من قبل دعاة ما يسمى بالمنهجية الكمية الدقيقة والصارمة لفهم سلوك الظواهر الاجتماعية، ومن بينها الظاهرة الاقتصادية.
قديماً قال أرسطو: إن علم السياسة، هو ملك العلوم أو ملكة المعرفة (Queen of Sciences)، وذلك قبل أن يُعرف شيء اسمه علم اقتصاد. أرسطو وصل إلى هذه النتيجة وهو ضليع في مجالات العلوم الطبيعية، مثل الفلك والرياضيات والطب، لذا لا يمكن اتهامه بالتحيز لعلم السياسة. كما كانت مكانة علم السياسة، بهذا التألق والسمو، هو كذلك اليوم، لسبب بسيط لأنه يهتم بأهم ظاهرة إنسانية: الظاهرة السياسية، التي تختزل كل الظواهر الاجتماعية، بما فيها الاقتصاد.