إن للمال فلسفة واضحة في الإسلام، لا يراها إلا أهل البصائر، ولا يدركها إلا العارفون، ولا يصبر على ممارستها إلا من جبل نفسه على تطويع جوارحها وحملها أن لا تحيا إلا في قانون آخرتها فلا ترى الدنيا إلا بعين الآخرة، إذ ليس له من هذه الدنيا إلا بقدر ما يحقق من غاية خلقه في عمارة الأرض والنفع والإصلاح، شأنه شأن الشجرة التي يضرب الله لنا بها المثل في قوله }ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون| (سورة إبراهيم).
وقد أكثر القرآن الكريم من ذكر الزرع والشجر والحبوب والسنابل والثمار والحصاد، لتقريب المعنى الذي نحن بصدد التفصيل فيه ولتكون رموزاً لعمل الصالحات، وفعل الخيرات، والإنفاق، وعمارة الأرض، ورمز الله للأنبياء بالزرّاع في سورة محمد }يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفّار| وكأن المعنى المراد اشتراكهم في الصفة وطبيعة المهمة وروح المنهج الذي يريد القرآن أن يُربي عليه المسلم، يدعوه أن يحيا بروح الزراع ويحتذي نهجهم في الزراعة بدءاً من اختيار البذرة الصالحة، وحسن انتقائها، واختيار الأرض الصالحة، وتمهيدها لتلقي البذرة، ثم بإحياء البذرة بإيداعها الأرض في الوقت المناسب، ورعايتها من سقاية وحماية وتوفير المناخ الملائم لها والصبر عليها وهي مغمورة تحت التراب لا يراها بعينه وإنما يراها بإيمانه بسنة الخالق فيها وثقته بعدله وفضله لكل من اتبع سننه الكونية وأخذ بأسبابها.
وقد يصبر الزارع سنوات طوالاً دون أن يرى النبتة ومن ثم يصبر عليها حتى تكبر وتثمر ثم لا يزال على عمله هذا في مايتطلبه من جهد ومعرفة وصبر، وقلبه مُعلق بخالقه يطلب منه العون والرزق والفضل، وهو في كل هذا يحيا ويعيش بما تحييه هذه الزروع

أرباح على الورق وخسائر وأسعار مزيفة.. يزداد هذا لينقص ذاك

في الأرض فينظر إلى الشجرة المثمرة فيرى فيها نفسه، وقد حقق مُراد خالقه فأنفق حياته في إحياء الأرض بإحيائه لهذه الشجرة وقد حققت الشجرة كذلك مراد خالقها فكانت حياتها هي في عطائها لأهل الأرض وله.
كما وصفها الرافعي في كتابه «وحي القلم» في مقال بعنوان «سمو الفقر في المصلح الاجتماعي الأعظم» فقال: «وما قطّ نبتت شجرة في مكانها لتأكل وتشرب وتختزن السماد والتراب وتحصنهما وتمنعهما عن غيرها، ولو قد فعلت ذلك شجرة لكان هلاكها فيما تفعل، إذ تحاول أن تضاعف فائدتها من قانون العالم، فيكون طمعها سريعاً في إفساد الصلة بينهما، فلا يجد القانون فيها نظامه، ومن ثم لا تجد في القانون نظامها، فيُهلكها الذي كان يحييها، وتستعبد لحظ نفسها، فيُفقدها ذلك حرية الحياة التي كانت لها في نفسها.
وإن الناس كحب القمح في السنبلة، ليس لجميعه إلا قانون واحد، فموضع كل حبة من السنبلة هو ثروتها، علت أو سفلت، وكثير ما تأخذه أو قل، وإذا كان أساس الحياة في حبة منها أن تجد قوامها وكفايتها من مادة الأرض، فتمام الحياة فيها أن يغمرها النور من حولها، وأن يستمر النور من حولها يغمرها.
فالحبة من السنبلة بكل خير على كل حال، وإنها لتُنزع وما بها أنها نُزعت، ولكنها أدت ما تؤدي، وانقطعت من قانون لتتصل بقانون غيره، وما اغتنت ولا افتقرت، ولا أكثرت ولا أخفت بل حققت موضعها، فإنها ما نبتت لتبقى، وما نمت إلا لينقطع نماؤها. وكذلك المؤمن الصحيح الإيمان، الصادق النظر في الحياة: هو أبداً في قانون آخرته، فهو أبداً في عمل ضميره». انتهى كلام الرافعي.
إن المال في يد المسلم لهو بذور خير لا يبقى منها في يده بعد موته إلا ما استودعه في أرض صالحة، أما ما عدا ذلك فهو متلفة ومفسدة لهذه البذور ونقص من خيرات الأرض وتعطيل لمصالح الناس وضياع أجر عظيم للزراع.
إن ما نراه في أيامنا هذه من التسارع على الربح دون عناء أو مشقة أو جهد أو دراية أو علم وهو ما يسمى في لغة العموم بالمضاربة -أمر بعيد كل البعد عن الروح التي فصلنا فيها أعلاه..
وهناك فرق بين من يشتري سهماً في شركة يؤمن برسالتها، ويعلم نفعها وخيرها فيكون له سهم في بنائها ودعمها لتحقيق رسالتها فيصبر عليها ومن ثم يجني هو ويجني المجتمع ثمار مساهمته، وبين من يضارب على تقلب الأسعار المحمومة يريد أن يتصيد من هنا وهناك، بل وما أقبح من يتآمر مع بعض أصحاب الأموال لرفع الأسعار وخفضها كيفما يحلو لهم لتحقيق غاية واحدة واضحة ألا وهي زيادة ما بيده من مال، وكان الأجدر أن يسأل نفسه عن بذور الخير التي أودعها في مؤسسة أو شركة هل آمن برسالتها وغايتها واستوثق من رعايتها لها وأن يسأل نفسه كما سيجني مجتمعه من ثمارها معه لا كم ذا الذي سيجنيه وحده، كان الأجدر أن يكون السؤال هو: ما هي مساهماتي في بناء المصانع والمدارس والجامعات والمستشفيات والمكتبات والشركات النافعة لمجتمعي؟
كم بيتاً فتحتُ؟.. وكم جائعاً أشبعتُ؟.. وكم عارياً سترتُ؟.. وكم طالباً ساعدتُ في تعليمه؟.. وكم مريضاً ساهمت في علاجه؟.. كم بذرة من هذه البذور غرستها في هذه الأرض أو تلك.. لا كم زاد اليوم من حصيلة «بذور» المال التي بين يدي؟!
أرباح على الورق... وخسائر على الورق... وأسعار مزيفة...
يزداد هذا لينقص ذاك، وفي نهاية المطاف لم يزد ولم يبن هذا شيئاً.. ولا بنى ذلك، بل أكل أحدهما مال الآخر في لعبة أصبح يغامر ويقامر فيها الصغير قبل الكبير، ويتآمر فيها الكبير على الصغير على أمل أن يربح من خسارته دون جهد أو عناء.
Okazreaders@imc.med.sa
فاكس: 6509659