إن من الأمور المعقدة والمتشابكة والتي تحتاج إلى معالجة متأنية وعميقة في الوقت نفسه هي علاقة المثقف بالمجتمع ودوره في عملية التطوير.
في البدء وبدون الدخول في التفاصيل والمضاربات الفكرية واللغط اللفظي بدلالة المفاهيم فإننا نقصد أن كل إنسان مثقف وإن لم تكن الثقافة مهنة له، وذلك لأن لكل إنسان رؤية معينة للعالم، وتقييماً للسلوك الأخلاقي والاجتماعي، ومستوى معيناً من المعرفة والإنتاج الفكري. وهكذا يتسع مفهوم المثقف ليشمل العلماء والمفكرين والأدباء والكتاب والمبدعين والفنيين والأطباء والمهندسين والمديرين ورجال القانون والإعلاميين والصحفيين وما أشبه بذلك. لذلك فإن العلاقة بين الطرفين علاقة متشابكة، وتتحكم فيها كثير من الأحيان الظروف المادية والحياتية الثقافية والاجتماعية.
ونستطيع القول في هذا الإطار إن هناك علاقة جدلية بين الاجتماعي والثقافي بمعنى أنه كلما كان المحيط الاجتماعي بعناصره المختلفة سليماً، انتعشت الحياة الثقافية في

إننا بحاجة للخروج من المراوحة حول الذات والانطلاق بعزم جديد

المجتمع والوطن وأصبحت الثقافة تمثل قيماً وآفاقاً انسانية تجري فيها عناصر الحرية والتسامح واحترام العقل وكرامة الإنسان وبالعكس، أي كلما ساد الجمود والانحراف الفكري والتقليد الأعمى اضمحل دور الثقافة والابتكار والنقد وإبداعات المثقفين ونما انتشار الأفكار المتطرفة المتمردة التي لا تؤمن بالنقاش والحوار الدافئ الذي يتسم بالهدوء والعقلانية.
والمثقفون كان لهم دائماً دور في المجتمع تمثل في رفض قوى الجمود والتأخر وأصبح دورهم يتجسد في صناعة الرأي وتوضيح سبل التقدم والمساهمة في خلق عوامل الذاتية والموضوعية لإطلاق المجتمع ومباشرة دوره الحضاري.
إن الصراع الفكري الذي يبذل باتجاه المزيد من تعميق الخلافات والتناقضات داخل الساحة الوطنية يؤدي إلى إضافة قيود تكبل الفكر وتمنعه من الانطلاق لمعالجة المشاكل الحضارية الأساسية.
إننا بحاجة إلى عقلية ثقافية تنويرية تمتص هذه التناقضات الداخلية والثانوية وإعادة توجيه الطاقة الحية التي تزخر بها تضاريس الوطن من مفكرين وعلماء في شتى المؤسسات الحكومية والخاصة.
إننا بحاجة للخروج من حالة المراوحة حول الذات والانطلاق بعزم جديد ورؤية جديدة للفعل التاريخي الذي يعود على أوضاعنا بكل خير وفائدة.
لابد لحياتنا الثقافية حتى تنمو آفاقها وتتبلور خياراتها المعاصرة ويصبح لها تأثير في مجمل الحياة بحاجة إلى التسامح بين التيارات لأن التسامح هو الأرضية الخصبة التي تنمو فيها الإبداعات وتنشط فيها الحركة ويتفاعل فيها المجتمع ويشحذ المثقف ذهنه وفكره وإمكاناته للوصول إلى الرأي السديد والثقافة المناسبة للمرحلة.
وبالمقابل دائماً التعصب هو الأرضية التي تقتل الإبداعات وتقمع الآراء الحرة وتطفئ الوعي عبر عقليتها الجافة التي تنشرها في ربوع المجتمع ولهذا نجد أن المجتمعات المتقدمة على المستوى الثقافي والعلمي هي التي تسود فيه أخلاق التسامح بينما المجتمعات المتخلفة ثقافياً والمتأخرة علمياً هي التي تسيطر عليها أخلاقية الأحكام المطلقة وعقلية التعصب الأعمى.