يثير مفهوم الأيدولوجيا في الوقت الحاضر، الكثير من الإشكال والالتباس إن لم يكن الرفض والاستهجان أيضاً والزعم بأن عصرنا الراهن الذي يتسم بالثورة العاصفة في نظم المعرفة والمعلومات والاتصال، لم يعد مجال فيه للايدولوجيا وخاصة الأيدولوجيات الشمولية التي عرفها الإنسان على مر العصور، بغض النظر عن سماتها (دينية، قومية، اشتراكية) والتي ارتبطت بصبوات وأحلام الإنسان وأوهامه في آن معاً.
ويعود ذلك لافتقادها شروط النقد والخلق والإبداع والتجاوز، وتلمس مكونات ومقومات الإنسان الروحية في التطلع لتحقيق وتجسيد مدينته (الفاضلة) الأرضية، فمفهوم الأيدولوجيا بهذا المعنى قد انتهى عملياً بالنسبة للقطاع الأكبر من الناس خاصة في المجتمعات (المتطورة) ما بعد الصناعة، وحلت محلها مفاهيم النفعية (البراجماتية) والتملك والقوة والسيطرة لتحقيق أقصى ما يمكن (الإشباع الفردي) من الاكتناز والثروة والاستهلاك الترفي بشتى صوره. وحيث تطغى ثقافة الصورة والإعلان والإعلام الجماهيري على حساب ثقافة الأفكار والقيم. برز مصطلح الأيدولوجيا واستخدم للمرة الأولى على يد الفيلسوف الفرنسي دي تراس في مطلع القرن التاسع عشر بمعنى علم الأفكار والظاهرات العقلية التي رأى أنها نتيجة تزاوج فلسفة أورباك (المعرفة) وفلسفة كونديلاك (الحسية)، واستخدم ماركس هذا التعبير بمعنى مجموعة الأفكار والمعتقدات والقيم التي تسود مجتمعاتنا وذلك في كتابه الأيدولوجيا الألمانية (1846) حيث دل مفهوم الأيدولوجيا لديه على «الوعي الزائف» الذي ينجم عن الموقف الطبقي للأفراد ويظهر لهم واقع العلاقات الاجتماعية محرفاً بسبب مصالحهم أو بصورة أشمل بسبب وجهة النظر المتميزة التي يفرضها عليهم موقعهم في التكوين الاجتماعي، وطور مانهايم مفهوم «المثقفين المتردديين» الذين يقيمون علاقات ملتبسة أو مترددة مع الطبقات والفئات المختلفة التي شكلت ما يسمى بالبنية الاجتماعية. ويعرف الفكر الاجتماعي المعاصر الأيدولوجيا باعتبارها نسقاً من الآراء والأفكار السياسية والقانونية والأخلاقية

الأيدولوجيا والقوى المهيمنة علاقتهما مقنعة بحكم الاستقلالية النسبية

والجمالية والدينية والفلسفية، ويحدد موقعها باعتبارها جزءاً من البناء الفوقي والأيدولوجيا بهذا الفهم قد تكون انعكاساً زائفاً أو صادقاً (وعي مطابق) للواقع بحكم ارتباطها بمصالح وتطلعات القوى والفئات الاجتماعية، المختلفة وبالتالي فإن اتساق الأيدولوجيا مع الواقع الموضوعي وعالميتها، وانتقالها بهذا المعنى من مستوى التصور التأملي إلى مستوى التحقق العملي والعلمي ينهي دور الأيدولوجيا بما هي وعي «زائف» للواقع، وفي هذا التصور بالذات بنى العديد من المفكرين والفلاسفة نظرتهم في موت وانتهاء الأيدولوجيا، وذلك من منطلقات مختلفة فقد أنهى هيجل دور الأيدولوجيا بتحقيق الدولة التي هي التجسيد العقلاني النهائي للفكرة المطلقة، وأشار ماركس إلى انتهاء الأيدولوجيا بانتهاء أسس الاستغلال وقيام المجتمع اللاطبقي، وأكد ماركيوز وغولدمان بأن الأيدولوجيا انتهت بانبثاق المجتمع الصناعي بغض النظر عن شكل تمظهره، سواء كان ذلك المجتمع الصناعي رأسمالياً أو اشتراكياً (النموذج السوفيتي البيروقراطي) معتبرين النظامين بأنهما ينتميان في التحليل الأخير لذات البنية الرأسمالية نفسها، فقد استطاعت الرأسمالية احتواء ايدولوجيا التغير والثورة ضمن تكوينها الاجتماعي (المصالحة بين رأس المال والعمل) العام ناهيك عن تكون وتشكل طبقة وسطى واسعة العدد والتأثير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، أما في المجتمعات الاشتراكية السابقة فقد تحولت الأيدولوجيا إلى مومياء ونصوص (مرجعية) مقدسة وبهذا أصبحت عقيدة دينية أخرى.
الإشكالية الأيدولوجية هنا تدور حول الذات (الفاعل) ضمن مفهوم (الذات- الواقع- الاغتراب) حيث تجرد الذات في الواقع من ماهيته العينية، وهنا تشكل الأيدولوجيا إسقاطاً مزيفاً لجوهر الذات في عالم وهمي، بمعنى إعادة بناء الذات في «عالم الفكر» تسلب فيه الذات ماهيتها (المتشيئة- المغتربة) في الواقع الاقتصادي- الاجتماعي، وهناك حالة الاغتراب الشامل للذات عن الواقع حيث يتماهى الواقع في الأيدولوجيا، وتجري عملية إسقاط تعسفي لها مما يؤدي إلى صنمية الوعي واستلاب الذات والاغتراب، وهذه العلاقة بين الأيدولوجيا والواقع والاغتراب هي التي أوحت بفكرة نهاية الأيدولوجيا، أما الرؤية الليبرالية الجديدة حول نهاية الأيدلوجيا فقد نظر لها فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ وخاتم البشر.
ومن الواضح أن للايديولوجيا وظيفة سياسية مرتبطة بمفهوم الهيمنة، بمعنى ارتباط هيمنة ايدولوجية معينة بالهيمنة السياسية، وهي تتعلق بإحدى القضايا الأساسية في علم السياسة وهي قضية الشرعية، من ناحية أخرى ليست الأيدولوجيا في الحقيقة مجرد انعكاس (ميكانيكي) بسيط لشروط حياة الطبقة السائدة باعتبارها فاعلاً فحسب، وإنما هي انعكاس للعلاقات السياسية الملموسة القائمة بين مختلف الفئات الحاكمة والفئات المكونة الأخرى في تكوين اجتماعي معين، فهي (أي الأيدلوجيا) غالباً تكون مشبعة بعناصر ترتبط بأسلوب حياة وانساق أخرى غير تلك السائدة، فالعلاقة بين الأيدولوجيا والقوى المهيمنة هي دائماً علاقة مقنعة وذلك بحكم الاستقلالية النسبية التي يتمتع بها المستوى الأيدولوجي، وقد تبقى الأيدولوجيا السائدة (كما هو الحال في المجتمعات العربية) مشبعة بعمق يتخطى ويتجاوز حياة قسم أو فئات لم تعد (اقتصادياً وسياسياً) سائدة، ولكنها لا تعتبر في هذه الحالة مجرد مخلفات أيدولوجية انتهت صلاحيتها إذ تطرأ على دورها ووظيفتها السياسية تغيرات عدة تتلاءم والظروف والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الجديدة لذا نرى بأن المجتمعات العربية لا تزال واقعة تحت هيمنة ايدلوجيا ومفاهيم تنتمي إلى عهود وأنماط اقتصادية وقوى اجتماعية قديمة انتهت هيمنتها الاقتصادية، ولكن استمرت بفرض هيمنتها الأيدولوجية بل والسياسية وذلك تدعيماً «لشرعية» الهياكل والمؤسسات التقليدية القائمة. واللافت هنا أنه في عصر اندحار الأيدولوجيات الشمولية فإن البلدان العربية هي من البلدان القليلة في العالم التي لازالت تملك القابلية على بعث وتوليد أيدولوجيات شمولية (قومية، مذهبية) تملك القدرة على الحياة والتأثير (الإعاقة والتعويق) في الواقع ومثالها الساطع هو الدولة الاستبدادية.