لقد عكست نتائج الانتخابات الفلسطينية إرادة أغلبية الشعب الفلسطيني، غير أن العوامل التي ساهمت في انتصار حماس، لم تكن كلها، ولا حتى معظمها، سياسية، وفي كل حال، بدأ الفلسطينيون يدركون مدى التداعيات السياسية لفوز حماس، وأصبح لديهم خوف كبير بشأن المستقبل.
ويحذّر معظم السياسيين والمحلّلين الفلسطينيين، من مغبّة محاولة إسرائيلية لاستغلال الواقع الجديد، عبر التأكيد على النية المعلنة سابقاً، بشأن المبادرة، من جانب واحد، لتحديد مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهذا من شأنه أن يتجسّد في مصادرة وضم أجزاء واسعة ومهمة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية المحتلة، وضواحيها، بالإضافة إلى وادي الأردن، ومناطق على الحدود الغربية للضفة الغربية. وبالإضافة إلى ذلك، تبدو إسرائيل راغبة في تقسيم وتجزئة الأراضي الفلسطينية بطريقة يستحيل معها قيام دولة فلسطينية مستقلة قادرة على الحياة، في المستقبل. فالضفة الغربية منفصلة عن قطاع غزة، ولا إمكانية لانتقال الفلسطينيين فيما بينهما، في الوقت الذي تصبح حركة التنقل بين أجزاء الضفة

التحول التدريجي للرأي العام الفلسطيني نتيجة للسياسة الإسرائيلية

الغربية نفسها أكثر صعوبة، سواء للبشر أو للبضائع.
ومن المؤسف، أن المجتمع الدولي، والجهات المسؤولة عن عملية السلام، إزاء هذا الوضع الراهن، كانوا منهمكين بما إذا كان من الواجب مواصلة دعمهم المالي للشعب الفلسطيني أو للسلطة الفلسطينية، الأمر الذي جعلهم يهملون التحرّك باتجاه وقف هذه الخطة الإسرائيلية غير القانونية.
أما إسرائيل، من جهتها، فقد ساهمت كثيراً في هذا الارتباك. وبرّرت امتناعها عن إقامة أي نوع من التعامل السياسي مع الجانب الفلسطيني، بذريعة فوز حماس في الانتخابات، وبالتعتيم على الحقيقة الواضحة بأن الدولة العبرية قد فعلت ذلك، قبل فوز حماس بفترة طويلة من الزمن.
وحقيقة الأمر هي أن التحوّل التدريجي للرأي العام الفلسطيني، نحو الراديكالية، والذي أسفر في النهاية، عن فوز المعارضة لعملية السلام، هو نتيجة مباشرة للسياسة وللممارسات الإسرائيلية الدائمة، التي كانت ترمي إلى القضاء على أية امكانية للتوصل إلى حل سياسي تفاوضي، على قاعدة الشرعية الدولية. وهذا أيضاً ما أسفر عن الانهيار الاقتصادي، وعن الارتفاع الشديد في مستويات البطالة والفقر.
إن القوى واللاعبين المحليين والدوليين، الذين يشعرون بالقلق من اندحار معسكر السلام في الانتخابات الفلسطينية، عليهم أن ينسّقوا جهودهم لكي يقلبوا هذا الواقع. ولابدّ، أولاً، من أن يبادر المجتمع الدولي، إلى تحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين، وليس إلى زيادة الطين بلّة. ثم يتوجب على المجتمع الدولي، أن يعرض على الفلسطينيين إمكانية فعلية وحقيقية للاختيار، بأن حلاً سلمياً تفاوضياً، يمكن أن يُسفر عن تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما يتناسب مع القانون الدولي.
فإذا كان هذا الخيار قادراً على الحياة، وإذا ما تم فتح هذا الطريق، فإن الشعب الفلسطيني سوف يتجاوب. ومن واجب المجتمع الدولي، بعد الانتخابات الإسرائيلية، ومع استمرار الرئيس محمود عباس في السلطة، أن يبادر إلى التحرك وأن يوفر الإمكانية لإعادة فتح الآفاق السياسية. وإذا حصل ذلك، بالتزامن مع إجراء تحسينات اقتصادية فعّالة، فإنه يعيد الروح إلى معسكر السلام الفلسطيني، ويقلب موازين الراديكالية في المجتمع الفلسطيني.
وزير العمل السابق في السلطة الفلسطينية
ترجمة: جوزيف حرب