قبل أيام وفي المنعطف قبل الأخير من منزلنا وقع اصطدام مروع بين سيارة صالون مليئة بالأطفال والنساء وبين صهريج ماء، الحادث كان عنيفاً جداً وذهب من جرائه ضحايا كُثر... للأسف.
في منزلنا وفي نفس ظهر ذاك اليوم، أكد جمعنا العائلي وهم يتناولون الغداء على تفاصيل موحدة تقريباً لكيفية وقوع الحادث، ومن المتسبب فيه، وأعداد الموتى والمصابين. فردّ واحد من عائلتي الصغيرة شذَّ في روايته للحادث عن الروايات الأخرى. وحال نطقه لتلك الرواية المختلفة كلياً في تفاصيلها. نظر الجميع شزراً -بمن فيهم أنا- للمتكلم، وبدأنا نُسفِّه رأيه، ونصف روايته للحادث بالمبالغة وعدم المصداقية المبنية على تشوش نفسي، سببه منظر الدماء والأشلاء والنحيب!
بعد يومين أو ثلاثة أكد آخرون من شهود العيان لي ما سبق أن سرده لعائلته غريب الرواية. وبهذا فالمغضوب عليه أقرب لمصداقية الحدث بكل تفاصيله، وكُنا الباقين من عائلته الأبعد في الإمساك بالحقيقة، والتي لا تعني أن أمراً جللاً قد حدث لو أننا قد أخطأنا كِبدها.. ولا تعني شيئاً لو أن (المُهاجم) كان الأقرب

لا يصنع تقدمية التاريخ من يعتقدون أن ما أنجزوه أكمل كتاب حياة أممهم

إليها. والأدهى من كل هذا أنني والباقين من عائلة (المغضوب عليه) وقد عرفنا أنه لم يخطئ وأنه قال ما يُعتقد أنه الأقرب لحقيقة الحدث حسب إفادة مُحايدين، لم نعتذر له عن سردنا غير الصحيح لرواية تفاصيل الحادث الشنيع. ولم نقدم له تبعاً لهذه (جائزة) لأنه كان الأشجع في نفي ما كان صعباً -لولا شجاعته- أن يُنفى، وما كان مختلفاً في وسطٍ غير قابل للاختلاف... إلا في هامش صغير محسوب سلفاً!
لماذا نحن هكذا! وما هي نتيجة التسفيه للآراء المختلفة معنا؟ هل الرجوع للحق -ولو كان ضئيلاً- فيه ما يُعاب ويُخِلُّ من الوقار الذي صنعناه لأنفسنا المحملة بما لا يُحتمل؟
... نحن هكذا لأننا لم ننشأ ونحن طلاب حقيقة. فالحقيقة نمتلكها كلها: في مفاهيمنا للكون... وللبشر... وفيما يحدث بين هؤلاء البشر. تكثر بيننا كلمات الأفضل، والأكمل... فكيف نعترف للآخر بأن لديه ما يعادل ما لدينا.. إن لم يكن أحسن؟!
وحتى لا تفسر هذه الكلمات بغير معناها، فإنني أقصد هنا ما هو خارج عن نطاق الدين: عن التاريخ والاقتصاد والحياة الاجتماعية.
كل تاريخنا العربي والإسلامي أقرب إلى الملائكية. ومنشآتنا الاقتصادية والتعليمية في المنطقة (جامعة) لابد أن يتعلم العالم منها. وحياتنا الاجتماعية يصنعها أناسٌ لا يخطئون. وإن ظهرت من البعض أفعال مشينة فهم إما (أجانب)، وإما مُغرر بهم، وأما شواذٌ يؤكدون القاعدة.. المكتملة!!
لا يصنع تقدمية التاريخ ولا الحضارات من يعتقدون أن ما أنجزوه قد أكمل كتاب حياة أممهم. من يشككون في قيمة ما تُنجزه أنفسهم قبل غيرهم، هم بالتأكيد من يقودون مجتمعاتهم لعوالم الرقي والتمدن والحياة الفُضلى. من يراجعون قراراتهم من حين لآخر ومن يُحسنون لمن صوب أخطاءهم. ويبعدون من حسنَ -دائماً- قراراتهم وخياراتهم. هم النخب -لا غيرهم- ممن لا تخاف الأمم من وجودهم بين ظهرانيها. وتخاف جداً إن هم غادروها بفعل الفناء المُحتم، أو بالرغم عن أنوفهم!
ألم يمتدح ربُنا المتعال أحد أنبيائه عندما وصفه من اصطفاه بأنه أواب؟!
سأقدم لكم سراً فاحفظوه ولا تشيعوه:
سأعاقب ابني الذي فضح جهلي بروايته لحقيقة ما حدث -مرورياً- في المنعطف قبل الأخير.. فأنا لست من الأوابين... ولا أعرف معنى تلك الكلمة إطلاقاً!