بعض الحقيقة
عيسى الحليان
أكل حقوق الناس
طالعت يوم الخميس الماضي تحقيقاً صحفياً في «عكاظ» بمناسبة اختتام ورشة العمل المتخصصة لبحث مشاكل الإيجارات المتعثرة بين الملاك والمستأجرين، وأن ثمة قصصاً وحكايات عجيبة يتم تداولها بين أروقة المحاكم والحقوق المدنية تعكس حجم المشكلة ومدى انتشارها.
وجاء في التحقيق أن حجم المبالغ المتأخرة عن السداد في جدة تبلغ (مليارين) ريال وأن هناك ما يقارب من (12) ألف شقة خالية يتخوف أصحابها من مماطلة المستأجرين.
ويضيف أحد العقاريين بأن ما بين (35-45?) من المستأجرين يتهربون من دفع الإيجارات وأنه لا تكاد
تخلو جلسات المحاكم من الفصل في قضية بين مؤجر ومستأجر.
هل هذا هو المجتمع الفاضل الذي ملأنا به العالم صخباً وضجيجاً؟
أليست مثل هذه السلوكيات وأمثالها هي المؤشر الدقيق لنسق الخصوصية الحقيقي، وليس ما يتم اجتراره من فضائل لا أرض لها ولا واقع؟
«مجتمع» من وقع في يده شيء لغيره.. استولى عليه واعتبره غُنماً لا يستطيع صاحبه استعادته إلا بشق الأنفس.
هذا المناخ المأزوم جعل الأوراق المالية كالشيكات تصبح كورق السلوفان مما أعادنا -في عصر التجارة الإلكترونية- إلى بدائية التعامل: «سلّم واستلم» مواطن يؤجر شقته ولا يستطيع الحصول على مستحقاته إلا عن طريق المحاكم.
وآخر يحجم عن تأجير شقته ليقينه بأن ليس ثمة ما يحميه من المماطلة.
أما هؤلاء «الحنشل» فلم يجدوا حقيقة من يوقفهم عند حدّهم.
يستدينون ولا يردون ديونهم.. يقترضون ولا يعيدون قروضهم.. وهم بذلك يلعبون على طول الإجراءات الحكومية والقضائية التي أصبح يخشاها أصحاب الحقوق أكثر من خشية هذا الجيش العرمرم من النصابين.
هذه هي مناخات الاستثمار التي نتحدث عن هرمها فيما قاعدتها في الحضيض.
كأن لم يعد للأنظمة أو أحكام القضاء هيبة تذكر في أذهان شريحة واسعة يزداد سمكها مع الزمن امتهنت أكل حقوق الناس بالباطل وأدمنت كل صنوف النصب والاحتيال.
وإن لم نسارع إلى نفض الغبار عن الإجراءات الحكومية التقليدية، وإعادة الهيبة وتنفيذ أحكام القضاء، فإننا سنكون جميعاً عرضة لكل أشكال السلب والنهب والاحتيال.