ثار جدل كبير حول أسباب خروج اليهود من مصر ، وهل أجبرتهم الثورة على ذلك أم أنهم خرجوا بإرادتهم ، وما هي ظروف خروجهم من مصر ، والغريب أن هذا الجدل يثور من فترة لأخرى حتى داخل مصر نفسها ، ومنذ فترة وجيزة ثار جدل بين التيار الناصري والمؤرخ د. عبد العظيم رمضان حول هذا الأمر بعد أن اتهم الأخير الرئيس عبد الناصر بإجبار اليهود على الخروج من مصر .
ورد عليه اقطاب الناصرية بأن ذلك غير صحيح فقد أبدت ثورة يوليو والشعب المصري ، ولا يزال، إدراكا كبيرا في هذا الموضوع بدليل استمرار أعداد من يهود مصر حتى يومنا هذا في القاهرة، في ظل وجود طائفة، ومعابد، وممتلكات، ولو كانوا يخلطون بين الصهيونية بكل ما فيها من عنصرية ومذابح واحتلال ، وبين الديانة اليهودية لما بقي في مصر يهود أو معابد يهودية.
ارقام متضاربة
ليس هناك رقم محدد لعدد اليهود في الفترة التي سبقت الخروج. ولكن بعض المصادر قالت أنها تزيد عن 36 ألفا بقليل، في حين قالت المصادر اليهودية بأنهم يزيدون على خمسة وستين ألفا ، وتشير العديد من المصادر التاريخية إلى أنه حتى نهاية عام 1956 كان لا يزال عدد اليهود في مصر نحو 42 ألفا. ويستقر في مصر الآن نحو 63
بداية نشير إلى أن اليهود الذين خرجوا من مصر يحنون حتى الآن إلى الأيام التي قضوها فيها، ويحرص يهود مصر على التأكيد بأنهم مختلفون عن غيرهم من اليهود المهاجرين لإسرائيل، ففي أكثر من مناسبة أعلنت كارمن واينشتاين رئيسة الطائفة اليهودية في مصر أن الطائفة لا تمت لإسرائيل بأية صلة، وهاجمت مراراً سياسة شارون وقالت إنه «رجل شرير وقاتل أطفال»، ورفضت استقبال مبعوث منه.مشيرة إلى أن الطائفة اليهودية في مصر طائفة يهودية مصرية وليست إسرائيلية، وقد رفضت منذ نصف قرن الهجرة إليها، ولازال أعضاؤها يرفضون حتى زيارة إسرائيل .
الفقر والتمصير وراء الهجرة
وتقول المصادر أنه حتى عام 1948 لم يهاجر يهودي مصري واحد إلى فلسطين ، ولكن مع ازدياد بشاعة ما فعله اليهود في فلسطين ، ومع ازدياد نشاطهم في مصر

الفقر
وتحصير الوظائف دفعا معظمهم
الى الخروج
من القاهرة
الثورة طمأنتهم.. ومحمد نجيب زار معبدهم في شارع عدلي

تجددت الاعتداءات على محلات مثل (شيكوريل وعدس) وحدث انفجار في حارة اليهود قتل فيه 20 فردا. وهذا المناخ وضع اليهود أمام خيار المواطنة المصرية والانضمام إلى تيارها الوطني أو الانضمام إلى الصهيونية.
وقد حاولت الثورة بعد قيامها طمأنة الأجانب واليهود ولذلك زار محمد نجيب المعبد اليهودي بشارع عدلي والمدارس اليهودية وفى عام 1953 تكلم الشيخان احمد حسن الباقورى واحمد طاهر بطريقة انتقادية عن اليهود في الإذاعة واحتج الحاخام للواء نجيب واعتذر الاثنان رسميا. وكان ذلك قبل التفجيرات التي قام بها الصهاينة في أماكن متفرقة في مصر وحطمت علاقة اليهود بالنظام المصرى.
هاجر بعض يهود مصر إلى إسرائيل في السنوات 1949 - 1951 ، ولم يزد عدد من هاجر منهم إلى إسرائيل حتى عام 1956 عن مئة شخص. وبعد ثورة يوليو 1952 حرص حاييم ناحوم أفندي حاخام الربانيين وكذلك حاخام القرائين على إعلان تأييدهما لثورة يوليو (1952) وعندما قامت الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ عملية لافون التي جندت فيها يهودا مصريين، والتي أظهرت اليهود بمظهر الطابور الخامس في وطنهم، وتم القبض على 280 يهوديا للاشتباه فى نشاطهم الموالي لإسرائيل، وطردهم مع الإنجليز والفرنسيين. وأعلن بعدها وزير الداخلية حينئذٍ زكريا محي الدين أن من فعلوا ذلك قلة وان معظم اليهود من أبناء مصر وجزء من نسيجها وعاش اليهود بشكل طبيعي جدا ولم يسيء إليهم أحد كما أكدت تقارير السفارة الأمريكية وقتها. وهو ما أكده أيضا نائب الكنيست الإسرائيلي شلومو كوهين في كتابه حيث أكد أن مصر كانت وطنا عظيما لليهود .. ولكن إسرائيل بعد قيامها أصرت على إنهاء وجود اليهود حتى لا تظهر مصر أمام العالم باعتبارها دولة متسامحة وديمقراطية .. وهو ما أكده عمانويل ماركت المدير الأسبق للمركز الأكاديمي الإسرائيلي مشيرا إلى أن أعمال الحكومة الإسرائيلية القذرة -يقصد عملية لافون- هي السبب في كارثة تدمير علاقة اليهود المصريين بالشعب والحكومة.
وردا على إعدام اثنين من الإرهابيين اليهود، في عملية لافون قامت إسرائيل بالهجوم على غزة، ثم كان العدوان الثلاثي الذي اشتركت فيه إسرائيل بدون سبب وشارك ضمن جنودها اليهود المصريون الذين جندوا في إسرائيل ومن الأسباب أيضا ازدياد نفوذ الصهيونية العالمية التي ضغطت على اليهود المصريين لترك مصر ترغيبا في حياة أفضل في إسرائيل، كما ان التوجه المصري كان ضد القوى المرتبطة بقوى أجنبية وبهذا خرج من مصر ما بين عامي 56 و1960 نحو 36 ألف يهودي منهم 13 ألف يهودي نقلتهم الوكالة اليهودية إلى إسرائيل وبقيت أعداد قليلة اخذت تهاجر رويدا رويدا حتى لم يتبق منهم سوى 300 يهودي فقط عام 1970 من اصل ألف يهودي في عام النكبة.
دورهم في الحياة المصرية:
لكن فضيحة لافون لم تكن تعني أن كل اليهود كانوا يستهدفون أمن مصر ، بل إن أكثريتهم كانوا مصريين عاديين منهم من ساهم في الفن والثقافة والصحافة والاقتصاد في مصر ، وعرف المصريون المسرح على يد يعقوب صنوع الشهير بلقب «أبو نضارة»، الكاتب الشاعر والمخرج والموسيقي والصحافي اليهودي المصري، وهو من مواليد حي باب الشعرية عام 1839م، وكان يتقن عدة لغات أجنبية، وعمل مدرساً بمدرسة الفنون والصناعات إلى أن اتخذ من مقهى في حديقة الأزبكية مسرحاً لفرقته المسرحية سنة 1870م، وهناك أيضاً الفنانة نجوى سالم واسمها الحقيقي نينات شالوم، التي لمعت في فرقة نجيب الريحاني، وفي السينما لا يمكن تجاهل اسم توجو مزراحي كواحد من أبرز مؤسسي هذا الفن ، وهناك أيضاً النجمة الشهيرة راقية إبراهيم، واسمها الحقيقي راشيل إبراهام ليفي، وكان أوج شهرتها في الأربعينات والخمسينات، وفي الغناء، سطع نجم ليلى مراد المولودة في الظاهر بالعباسية في فبراير 1917، لأب يهودي مصري هو إبراهيم زكي مردخاي المطرب والملحن الشهير في العشرينات، وأم يهودية بولندية هي جميلة «سالمون» التي أنجبت مراد وإبراهيم وملك ومنير وسميحة،
وأخيراً ما زالت مصر تحتفل حتى الآن بذكرى الفنان اليهودي المصري الشهير داود حسني، واسمه الحقيقي «دافيد حاييم ليفي» في العاشر من شهر (ديسمبر) من كل عام، باعتباره أحد أعمدة التلحين والغناء المصري الذين ساهموا في تطويره بشكل يؤكده كل دارس لتاريخ تطور الغناء في مصر .وقد شارك اليهود المصريون فى النشاطات الرأسمالية، فعلى سبيل المثال أسهمت عائلة شيكوريل مع بعض اليهود فى تأسيس بنك مصر وكان عميدها عضوا فى مجلس إدارته.