حارة اليهود والانعزال
لم تكن حارة اليهود حارة بالمعنى الحرفي، فهي كما يورد أبو الغار، فى كتاب بعنوان : «يهود مصر من الازدهار إلى الشتات»، في الحقيقة حيا كاملا فيه شوارع وحارات كثيرة متصلة ببعضها البعض، وتقع في وسط القاهرة بين القاهرة الإسلامية والخديوية، وسكنها أعداد كبيرة من المسلمين والأقباط. وكان سكانها من اليهود مرتبطين بأمرين أولهما الدخل المحدود والثاني القرب من مصادر الرزق بالنسبة للحرفيين في الصاغة وغيرها. أما من تحسنت أحواله المادية فكان يهجر الحارة إلى عابدين أو باب اللوق أو باب الشعرية. ومن يغتني أكثر، ينتقل إلى العباسية أو مصر الجديدة، ولم تكن الحارة ـ الشهيرة ـ مكانا إجباريا ملزما لسكن اليهود في أي زمان من التاريخ الحديث لمصر، وفي الإسكندرية عاش اليهود في مختلف الأحياء حسب وضعهم الاقتصادي إلا ان فقراءهم كانوا يسكنون ما يعرف باسم سوق السمك.
ويتخذ البعض من تمركز اليهود في حارة اليهود دليلا على العزلة والاضطهاد ليهود مصر، وهذا التفسير يجافي الحقيقة تماما ، فقد اعتادت معظم طوائف اليهود الانعزال عن المجتمع والتمسك بهويتها الدينية اليهودية شأنها فى ذلك شأن الأقليات فى المجتمعات الغربية والتي عرفت بظاهرة الجيتو أو رغبة اليهود في العيش في جماعات منعزلة، وبشهادة جوردن كرامر أستاذة العلوم الإسلامية بجامعة برلين الحرة في دراستها (اليهود في مصر الحديثة 1914 - 1952) حيث قالت إن «العداء لليهود لم يكن موجودا كظاهرة عامة ، بل إن الصحافة المصرية دعت إلى حسن معاملة اليهود في مصر وبرأت ساحتهم من التشيع للصهيونية.»