الكارثة على الأبواب.. جدة.. وحمى الضنك
سبب حمى الضنك فيروس له أربعة أنواع متشابهة يطلق عليها فيروس الضنك (1) إلى فيروس الضنك (4). الإصابة الأولى بأحد هذه الفيروسات (فيروس الضنك-1 مثلاً) ينتج عنها حمى الضنك البسيطة أو الكلاسيكية، وتتكون بالجسم مناعة بسبب إفراز أجسام مضادة تقي من الإصابة مرة أخرى بهذا الفيروس، ولكن هذه الأجسام للأسف لا تقي من الإصابة بنوع من الأنواع الثلاثة الأخرى (مثلا فيروس الضنك-3) في حالة التعرض لها في مرة ثانية. على العكس، يرجح العلماء النظرية التي تقول بأن وجود الأجسام المضادة لفيروس الضنك-1 يساعد الفيروس التالي (فيروس الضنك-3) على الدخول بطريقة أسرع إلى الخلايا الوحيدة والبلعمية التي يتكاثر بها. عندئذ تخضع هذه الخلايا لهجوم حاد من خلايا الدم البيضاء اللمفية في محاولة للتخلص من العدوى. ويتسبب هذا الهجوم الحاد في إفراز عوامل مناعية تزيد من هياج الجهاز المناعي بمكوناته المختلفة، وهو ما قد يؤدي إلى النزف بسبب ازدياد نفوذية الأوعية الدموية وانسياب الدم منها إلى مناطق مختلفة من الجسم. ولذا فإن هذا النوع من الإصابة يسمى حمى الضنك النزفية. وهذا النوع من حمى الضنك هو النوع القاتل، خاصة إذا أدى فقدان السوائل إلى فشل الدورة الدموية وحالة الصدمة النزفية. هذه النظرية تفسر وجود نوعين من الإصابة بحمى الضنك، إصابة خفيفة، وهي الأكثر شيوعاً، في حالة العدوى للمرة الأولى وإصابة خطرة بعد العدوى لمرة ثانية أو أكثر، وهي التي يصحبها النزف، وقد تؤدي مضاعفاتها، لا قدر الله، إلى الوفاة في حوالى 5% من الحالات في المتوسط.

تعدد أنواع الفيروس أخر إنتاج لقاح لحمى الضنك

كما تشرح هذه النظرية خطر الإصابات المتكررة بالأنواع المختلفة من الفيروس، وهو ما يؤكد أهمية تقليل عدد الإصابات بصفة عامة، ومنع تكرارها بصفة خاصة. ويؤكد هذا أيضاً أن على من يصاب بالضنك للمرة الأولى أن يكون أكثر حرصاً على ألا يصاب مرة ثانية.
وقد أدى وجود الأنواع الأربعة المتشابهة من فيروس الضنك والدور الضار المفترض أن تلعبه الأجسام المضادة الموجودة سابقاً والتي تحفز تكاثر أنواع الفيروس المشابهة في الإصابات التالية بدلاً من تثبيطها إلى صعوبة كبيرة في إنتاج لقاح فعال لهذا المرض. وقد خشي العلماء أن استعمال لقاح ينشط إفراز نوع واحد من الأجسام المضادة قد يؤدي عند التعرض الفعلي للعدوى إلى ما يشبه الإصابة الثانية الخطرة في الظروف الطبيعية، وبذلك يكون اللقاح قد فاقم المشكلة بدل أن يحلها.
هذه الإشكالية أخرت لسنوات طويلة انتاج لقاح حمى الضنك. وحتى الآن ليس هناك توقع بإنتاج لقاح ناجح قبل 01-5 سنوات. مع ذلك، هناك لقاح تجريبي يتم تطويره ويشترط فيه أن يحفز إفراز الأجسام المناعية للأنواع الأربعة من الفيروس بصورة متوازنة. ولكن الحيطة تملي أن يخضع هذا اللقاح إلى الكثير من التجارب التي تؤكد سلامته وفاعليته قبل استعماله. هذه الصعوبة في إنتاج لقاح للضنك يمكن مقارنتها بالسهولة التي تم بها إنتاج لقاح فاعل لفيروس آخر ينتمي إلى نفس العائلة، وهو فيروس الحمى الصفراء، الذي لا يوجد منه إلا نوع واحد فقط. فقد تم إنتاج لقاح الحمى الصفراء منذ عام 7391م، وساعد هذا اللقاح على كبح جماح ذلك المرض الخطير إلى درجة اختفائه من كثير من بلدان العالم. وسوف ينتظر العالم بفارغ الصبر إنتاج لقاح ناجح ومأمون لحمى الضنك.
وحيث إنه ليس في مقدورنا حتى الوقت الحالي التغلب على فيروس الضنك باللقاح الفاعل أو العلاج، فليس أمامنا إلا محاولة التغلب على البعوضة التي تنقل هذا الفيروس وتصيب به الإنسان، وهي أنثى بعوضة إيديس إيجبتي، وقد يكون هذا الأمر أسهل من التغلب على الفيروس، ولكنه يتطلب الكثير من الجهد والمعرفة الوثيقة بهذه البعوضة الخطرة مما سنتحدث عنه في المقالة التالية إن شاء الله.
ما هي أعراض حمى الضنك الكلاسيكية البسيطة؟ تشمل هذه الأعراض ارتفاع درجة الحرارة والصداع والغثيان وآلام المفاصل والعضلات وقد يصحبها ظهور الطفح. أما حمى الضنك النزفية فأهم ما يميزها حدوث النزيف في أي مكان بالجسم مثل الفم أو الأمعاء أو الجلد أو في البول، وتسارع النبض وانخفاض الضغط، والشعور بالقشعريرة. ومن الأعراض الخطرة المغص المعوي الشديد والتقيؤ المستمر، والتململ، والتحول بين الحمى والقشعريرة. ويجب الانتباه إلى التغيرات في الحالة الذهنية للمريض ووعيه. وينبه الاختلال في نتائج عدد من التحاليل المخبرية، مثل النقص الكبير في عدد الصفائح الدموية إلى أقل من مائة ألف (100،000) أو نقص عدد الخلايا البيضاء أو ارتفاع الهيماتوكريت أو ارتفاع إنزيمات الكبد إلى احتمال الإصابة بحمى الضنك النزفية، ولكن التشخيص المؤكد لا يأتي إلا بالكشف عن الفيروس إما بزراعته أو الكشف عن حمضه النووي في الدم وقت الإصابة، أو بالكشف عن الأجسام المضادة له التي تظهر بعد ذلك ببضعة أيام.