جامعاتنا .. والدور المأمول !؟ (2/2)

د. صالح بن سبعان

ما هي المعيارية التي يتم بها اختيار شغل المناصب داخل الجامعة..؟ في كل الجامعات تظل الكفاءة، وتراكم الخبرة، والمكانة الأكاديمية، والتي تقاس بكم ونوع البحوث والأوراق العلمية المقدمة، أي تتحدد بحجم ونوع المنجز الأكاديمي العلمي. إلا أن الأمر في جامعاتنا لا يلتزم في كل الأحوال هذه المعيارية الواضحة، إذ كثيرا ما يتم اختيار من لا تتوفر فيهم هذه الصفات، ولا يحملون بل لا يحلمون في المستقبل بتحقيق منجز علمي، بسبب شغلهم مناصب أقرب إلى المواقع الإدارية. ومعلوم لكل ذى عينين أننا نلحق الضرر بالطالب أولا وبالجامعة ثانيا وبالوطن كله ثالثا. حين نقوم بتوظيف أو تعيين طالب علم لم تمض سنوات قليلة على تخرجه أو نيله شهادة الدكتوراه في وظيفة أكبر من إمكانياته العلمية، وأكبر من رصيده في الخبرات العملية، لأننا نقتل فيه الرغبة في التحصيل العلمي، ونشغل وقته بأعباء ذات طابع إداري، فنخسر أستاذا محتملا، ومشروع أستاذ دون أن نكسب إداريا محنكا، وبذلك يخسر الطالب وتخسر الجامعة. أما الدولة فتكون قد خسرت ملايين صرفتها عليه، لتأهيله عالما أو أستاذا جامعيا منذ إعداده المبكر في مراحله التعليمية الأولى. عوضا عن معيار الكفاءة، وشروطه في غاية الوضوح والموضوعية، إذ إنها لا ترتبط بشخص المقيم وأهوائه، أو أهوائه الشخصية، فهي تحمل بذور مقومات تقيمها سلبا أو إيجابا في ذاتها منفصلة عن شخص صاحبها. فالمنجز العلمي والعملي يكفي وحده للحكم على من يراد تقيمه، ولكن عوضا عن هذا معيار يتم اعتماد معيارا آخر هو: الثقة!. وهذا معيار ضبابي، وهلامي، يفتقر إلى الوضوح والموضوعية. فما هذه الثقة؟ وما هي معاييرها؟ وما هي شروطها؟ ربما تثق في شخص لأنك تعجب بصفة أخلاقية فيه.. كأن يكون أمينا، أو صادقا، أو ملتزما، وما إلى ذلك. وربما تثق في شخص آخر لخاصية معينة في شخصه، كأن يكون خفيف الدم والظل، مرح، أو أن يكون مجاملا لأقصى الحدود، وهو ما يسمى في الواقع مداهنا. أو ربما تثق في شخص أو تعطي شخصا ما ثقتك، لأنه ينافقك، ويوافقك الرأي في كل الأحوال، ولأنه يسمعك ما تريد أن تسمع عن عظيم إيجابيات تفكيرك ورجاحة عقلك، أو لأنه يسمعك ما تريد أن تسمع عن نفسك وقراراتك وموافقك، وأفكارك. ولكن هل هذا هو المعيار الصحيح الذي يجب أن يعتمد عند تقييم أستاذ جامعي بغرض تحديد المهام التي يراد إسنادها إليه؟. وبما أن الإنسان بطبعه يعاني من الضعف، ولا يميل إلى سماع ما يكره عن نفسه وقدراته، والطعن في حكمته وعدالته، فإن من يحظى بالثقة في غالب الأحيان هو ذلك الشخص الذي لا ينتقد القرار الخاطئ، أو الذي يبدي رأيا سلبيا حول قرار ما. والنتيجة الطبيعية لذلك هي تراكم الأخطاء، والقرارات التي لا يسندها منطق، تفتقر إلى الموضوعية والدراسة. والحل هو إعادة الاعتبار والعمل بمعيار الكفاءة والخبرة عند إسناد المهام الإدارية الأكاديمية داخل الجامعة. إذ إن غياب معيار الكفاءة والعطاء العلمي، واعتماد مبدأ الثقة وهي من مداخل النفاق والرياء المداهنة، قد أفقد المناصب الجامعية قيمتها وهيبتها العلمية، والتي تستمدها من ضلوع شاغلها في العلم والعطاء العلمي. وإن إقحام الشباب الباحثين وهم يدرجون أولى خطواتهم في سلك التدريس الجامعي، وقبل أن يراكموا خبراتهم الضرورية في البحث والعلم والتدريس، ليتدرجوا بشكل طبيعي في المراقي الأكاديمية، إنما يعني قتل مواهبهم في المقام الأول، وإهدار أموال لا تعد ولا تحصى في سبيل إعدادهم، ثم إن هذا الإقحام المبكر يتسبب في إرباك المسار الإداري للجامعة لقلة خبرتهم الإدارية، وانعدامها التام في كثير من الأحيان، أو في الغالب منها. إلا أن الكارثة تتفاقم وتصير مزدوجة، حين يتم اختيار من لم يتأهل بشكل جيد ليمثل الجامعة. إذ تستعين كثير من المؤسسات في القطاعين الحكومي والأهلي بالجامعة حين تحتاج إلى مشورة أهل العلم والمعرفة، سواء كان للتحدث في ندوة أو للمشاركة بأي شكل من الأشكال وعلى أي مستوى من المستويات، وبالطبع فإن الدعوة تصل إلى الإدارة العليا للجامعة لترشيح من يمثلها في التخصص المعني. وبما أن المعيار المعتمد كما قلنا هو مبدأ الثقة الهلامي، لا للكفاءة والقدرة والعطاء، فإن الاختيار سيتم وفقا لهذا المبدأ. ولعل القارئ يذكر أننا كنا ناقشنا من قبل مبدأ «شخصنة» السلطة الإدارية في هذه المساحة. ووفقا لهذا المبدأ الذي أصبح هو المنهج السائد في معظم مؤسساتنا في القطاعين معا، فإن الاختيار في الأغلب يقع على من هو أقرب إلى الشخص المسؤول، وليس إلى من هو الأحق والأكفأ. وتكمن المشكلة في أن هذا الذي يتم اختياره لا يمثل شخصه ولكنه يمثل الجامعة، ومشكلة معيار الثقة الذي يعتمد في التقييم، وفي عمليات الإحلال والإبدال بالجامعات أنه يكرس سيادة وانتشار العملة الرديئة على حساب العملة الحقيقية الجيدة. لأن الإحساس بالغبن الذي سيداخل نفوس وقلوب الأكفاء من الأساتذة سيؤثر على أدائهم الجامعي، لأن العدل في النهاية مركوز في النفس البشرية، وقد جعل الله سبحانه وتعالى حس العدالة في فطرة الإنسان وثمة ما يؤكد أنه فطر عليها حتى الحيوانات. وطالما كان مبدأ الثقة هو السائد في مؤسساتنا الجامعية، فإن الأكفاء لن يجدوا فرصة ليأخذوا بعضا مما يستحقون.
* أكاديمي وكاتب سعودي.
www.binsabaan.com

للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 215 مسافة ثم الرسالة