الأجواء الباردة تدفع شباب مكة والمدينة لتذوقها والسهر على نارها

«السيريه».. شواء بخلطة سرية ونكهة أفريقية

 حسين الحجاجي ــ جدة

مساء وبر ولقاء وشباب متحلق حول دائرة «الحطب و الجمر» ورائحة شواء مميزة تعبق المكان، وطعام يعد ويجهز بصورة مختلفة عن المألوف.. فلا الطريقة معتادة ولا حتى نوعية الطعام مألوف لأن أصل الوجبة (أفريقي) لكن التميز والمذاق الفريدين جعلها تحتل مكانة رفيعة بين الوجبات المعروفة، أنها وجبة «السيريه» المكونة من شرائح من لحوم الأبقار المشوية المتبلة بخلطة سرية ويفضل تناولها مخلوطة بالفلفل الحار المخلوط بالليمون، ويفضلها شباب البراري في سهرات المساء، هذه الوجبة لابد أن تستفز شهيتك شئت أم أبيت مثلما ردد أحدهم.. فدعونا نتعرف على أصل الحكاية والرواية على لسان أصحابها:
طبق أفريقي
وهنا بين إبراهيم عثمان أبوبكر، أن «السيريه» أصلها أفريقي وتحديدا (نيجيريا وتشاد ربما النيجر) وهي وجبة تعتمد اعتمادا كبيرا على اللحم البقري، ولكن تم أخيرا إدخال الدجاج في مكوناتها، لكن هذا لا يمنع من استخدام لحوم الإبل أو الضأن والقضية ليست في نوعية اللحم بقدر ما تكمن في كيفية إعداد هذا اللحم لكي يكون «سيريه» وتكون البداية بهرس اللحم أولا وأنا هنا أتكلم عن أكله «السيريه» كما هي في الأصل وليس بعد إدخاله التعديلات عليها.
ويضيف: يتم هرس اللحم ويتبل بالخلطة السرية، وأسمح لي ألا تسألني ما هي هذه الخلطة لكن بصورة عامة هي مزيج من البهارات وبعض من الدقيق توضع بمقادير معينة حتى تعطي للوجبة مذاقها المميز، وربما تستغرق هذه العملية بالكامل ما بين الأربع إلى خمس ساعات قبل تجهيزها على أسياخ خاصة بالشوي على الجمر.
وتابع أبوبكر بالقول: هذه الوجبة باتت من الأكلات المفضلة لدى الكثيرين من سكان مكة المكرمة وجدة، ويتم بيعها في المطاعم المخصصة، لكن كثيرا ما يتم الطلب مني كمتخصص في هذه الوجبة إعدادها في المناسبات، خصوصا وأن هناك من يفضل تناول «السيريه» مباشرة من إناء الشوي، لهذا أحمل كافة لوازم إعداد «السيريه» معي إلى موقع المناسبة سواء كانت على البحر أو في الاستراحات أو في البرية أو في البيوت.
وزاد قائلا: هناك من يحضر الذبيحة لتجهيز الوجبة على المحل، ودوري يكمن في تقطيع اللحوم وإعدادها في أسياخ خاصة وتجهيز الفلفل والخلطة الخاصة والحطب قبل الانطلاق إلى موقع المناسبة.
وأضاف: في الحالات التي يتم فيها الانتقال إلى موقع المناسبة، يتم إعداد السيريه بطريقة مختلفة عن ما هو معمول به في المحل، وفي هذه الحالة نسأل صاحب الذبيحة عن موقع المناسبة، فإذا كانت في البر أو على الشاطئ تكون المسألة بسيطة، لكن إن اختار سطح المنزل أو في استراحة خالية من أرض رملية، هنا يحتم علي جلب كيس رمل، لأن إعداد الشوي في المحل يتم بوضع الجمر ومن فوقه شبك حديدي، لكن في المناسبات يتطلب الأمر تجهيز حفرة دائرية الشكل ثم أقوم بغرس أسياخ السيريه عليها وبصورة دائرية ثم يوضع الحطب الذي يتحول إلى جمر فتمتد حرارته إلى أسياخ السيريه وما علي سوى تحركيها بطريقة تشبه شوي الشاورما، وعموما يفضل الكثيرون هذه الطريقة لأنها تجعلك تتذوق السيريه مباشرة وهناك من يفضل تناول الفلفل الحار المخلوط بالليمون.
نرفضها بعد الحج
من جهته، ذكر خالد علي مروي، أنه يمتنع عن تناول السيريه بعد انقضاء فترة الحج مباشرة ولمدة أربعة أشهر تقريبا، لكونه يظن أن تلك المطاعم تستغل لحوم الأضاحي في إعداد السيريه وبيعه على المستهلكين، ما يجعله يبتعد عن هذه الوجبة طيلة تلك الفترة، كما أنه يؤخذ على هذه الوجبة استخدامهم المفرط للزيت.
وهنا يرد عليه إبراهيم أبوبكر مدافعا ونافيا التهمة بالقول: لن يحدث هذا في محلنا على الأقل لأنه لا يسمح بذلك، لأن «السيريه» أصلا يختلف مذاقه وطعمه فيما لو تم استخدام لحوم الأضاحي، ويضيف: «يمكن معرفة هذا من خلال رائحة السيريه لحظة الشواء وحتى بعد الأكل وذلك من خلال المذاق، أما بخصوص الزيت فلا أظن هناك إفراطا في الاستخدام إلا بالقدر الذي تحتاج له عملية الشوي وإلا أعتبر الأمر بالنسبة لنا خسارة»، ويضيف: عملت في هذا المهنة منذ أن كنت شابا يافعا، وكنت اعمل لدى (معلم) اعتبره معلمي وأبي فقد كان الرجل كريما وصاحب خلق عال تتلمذت عليه وتعلمت منه الأمانة والصدق ومخافة الله في مهنتي هذه لأنه كان لي القدوة.
اللحم حسب الطلب
بدوره، أوضح محمود أدم عمر أن اللحم البقري المثلج هو ما يستخدم غالبا في وجبة السيريه، لكن في حال أراد الزبون أن نعد له السيريه بنوعية معينة من اللحوم فلا مانع لدينا، فهناك من يفضل لحم (الحسيل) أو الحاشي أو الضاني، وأيضا تجد أحيانا من لا يرغب بأي نوع من أنواع اللحم مفضلا عنها (الدجاج) وفي حالة المناسبات نجد صاحب المناسبة هو من يحضر الذبيحة ودورنا يمكن في تجهيزها للشوي بعد إضافة الخلطة، وغالبا ما تجمع المناسبة الخارجية الأصدقاء أو الأقارب أو حتى المعلمين والمسؤولين وحتى الطلبة.
للتجربة فقط
وبين الشاب بسام ماجد الحربي، وهو أحد الحضور في مناسبة تناول «السيريه» قررنا نحن كأصدقاء وزملاء الاجتماع بهدف التسامر حول دائرة الجمر لشوي السيريه هنا في البر، وأضاف: البر في مثل هذه الأجواء الباردة له طعم خاص، وكنوع من التغيير فضلنا تناول «السيريه» بهذه الطريقة كطعام للعشاء، والمسألة بصراحة تستحق التجربة وحتى هذه اللحظة أجدها تجربة مميزة.
وتابع: نتناول لأول مرة «السيريه» بهذه الطريقة، ومنذ الصباح الباكر نؤمن الذبيحة من الحلقة ثم نذبحها وتسليمها لمحل السيريه حتى تجهز للمساء، ثم يحضر العامل أو صاحب المحل إلى هنا مبكرا ويجهز حفرة الشوي ويضع الأسياخ حولها.
الضأني أفضل
ويتدخل غسان الخطابي، في الحديث قائلا: منذ فترة طويلة وأنا أسمع عن وجبة «السيريه» لكن لم أتذوقها ولهذا عندما أقترح خالي أن يكون طعام العشاء للقائنا في البر وجبة «سيريه» تحمست للفكرة وما طمأنني أكثر أن خالي هو من قام بشراء الذبيحة واختارها «ضأني» بعكس ما يتم بيعه في بعض محلات السيريه حيث يستخدمون اللحم البقري، وأنا شخص لا أميل إلى تناول اللحم البقري ولعل هذا هو ما يجعلني أزهد في تناول هذه الأكلة في السابق.
احتفاء مميز
لكـــن لــزكـــي شجــاع رؤية أخرى، وهنا قال إن الغـــرض مــن المناسبـــة ليس تنــــاول الطعام عامة، بل الهدف بصـــورة عامــــة هو أننا من هـــــواة ارتياد الأماكـــــن البرية في مـثـــل هـــــذه الأجواء التي تصبـــح فيها ســـاعات المساء تميل للبرودة،
ويضيف: اخترنا هذا الموقع وجهزناه بكافة لوازم الإقامة ولعل هذا ما شجع أقاربي للقدوم لهذا الموقع للاستمتاع بمساء رائع وجميل، وتلبية لرغباتهم قررنا هذه المرة أن يكون طعام العشاء مميزا كنوع من الاحتفاء بهم.
وكما ترى طريقة إشعال النار ورائحة الحطب والتجمع حول دائرة الجمر أو النار هذه تشعرك بجو احتفالي مميز بالفعل ويمكنك تمييز الابتسامة على وجوه الشباب.
وزاد: «الأمر لا يقتصر على استغلال الحطب على شواء السيريه، وإنما أيضا نقوم بإعداد الشاي على نار الحطب وأظنك تدرك جيدا مذاق الشاي عندما يتم إعداده على نار الحطب».