السينما والأمراض النفسية

فؤاد مصطفى عزب

لم يتفق العلماء والفلاسفة في كل العصور على تفسير موحد لهذه الكلمات ـ الألم ـ الوجع العذاب ـ الأسى ـ الضيق ـ الإنقباض ـ القرف ـ القلق !! وكما أن هناك ألما سطحيا فهناك ألم داخلي قد يؤدي إلى ظهور الألم في أماكن مختلفة من الجسم ولايزال في أحلام الطب وعلم النفس مساعدة الإنسان على التغلب على الألم أو تخفيفه أو القضاء عليه ولذلك كانت العقاقير المهدئة والمسكنة والمخدرة، وقاتلة الألم!! وهناك نوع من الألم هو الألم النفسي وهو مرض يبقى وينموا مع الإنسان حتى يكون الجواب والجواب دئما يأتي من خلال المريض، والعلاج النفسي يحتاج أحيانا إلى وقت طويل وكثير من الآلآم الجسدية أسبابها نفسية أو اجتماعية والألم الجسدي هو تعبير ظاهر في بعض الأحيان عن ألم ليس ظاهر ومن هنا برز دور الطب النفسي وأصبح علما أساسيا في علاج الإنسان فالإنسان ليس جسدا فقط، بل هو جسد ونفس وعلاقات اجتماعية وثقافية وفي السنوات الأخيرة اتجهت السينما الأمريكية اتجاه مكثف نحو طرح كثير من الأمراض النفسية التي يعاني منها إنسان العصر الحديث، هذا العصر الذي أصبح من سماته البارزة الأرق والقلق والخوف.. ولقد استطاعت «هوليود» أن تعالج هذه الأمراض على الشاشة الفضية وتصيغها في قالب خفيف ومبسط وذو طابع درامي مع المحافظة والحرص على الجانب العلمي، دون إهمال جانب التشويق والإبداع والحبكة الفنية. وتناولت السينما الأمريكية الكثير من الأمراض النفسية كالانفصام في فيلم «أمير البحر» والذي كتبته «بات كونروي» ومثله كل من برباره ستريساند ونك نولت، وكذلك الوسواس القهري في «أفضل ما يمكن الحصول عليه» مثله جاك نيكلسون وفاز بجائزة الأوسكار عليه، وكذلك الانفصام في «ذهنٍ جميل» ومثله رسل كرو وحصل أيضا على جائزة الأوسكار عليه والاكتئاب ثنائي القطب في فيلم «السيد جونز»، وهو نوع من الاضطراب النفسي في جانب منه نوع من الجنون وفي جانب آخر نوع من الإحباط شاهدت هذا الفيلم على رحلة للخطوط البريطانية من شيكاغو إلى لندن أشارككم ما شاهدته حيث يتعرض «جونز» ومنذ طفولته لمجموعة من الصدمات النفسية تتوالى وتصاحبه وحتى شبابه كان أكثرها ألماَ عندما هجرته حبيبته وبدون سبب منطقي حيث تتحول قصة حبه الرومانسية الجميلة إلى قصة حب فاشلة.. كل هذه الصدمات كانت وراء إصابة «جونز» الإنسان الرقيق عاشق الموسيقى والحرفي الماهر بهذا المرض الخطير وعلى مدار عشرين عاما ويفشل الأطباء في علاجه، لأنه من ناحية كان يرفض العلاج والتعاون معهم، بل ويرفض الاعتراف بأن ما يقدم عليه من تصرفات غير عادية وبطريقة لا إرادية هو شيء بحاجة إلى مناقشة وإلى علاج، ومن ناحية أخرى، فإن أحدا من الأطباء المعالجين لم يتمكن من الوصول إلى دهاليز ضمير الفنان المبدع والإمساك به في حالة ضعفه وثورته، فهو يبدو دائما مرحا سعيدا يأخذ كل شيء ببساطة وحبور.. ثم يلتقي بطبيبة أمراض نفسية على قدر كبير من الإنسانية والحكمة، وتؤدي دورها الممثلة الرقيقة الناعمة المميزة دائما والتي يدل أداؤها على ثقة شديدة بالنفس وتمكن رائع من موهبتها «لينا أولين» ولينا الطبيبة هي الإنسانة الوحيدة التي استطاعت أن تقترب من ضمير السيد «جونز» وتتعرف على أسرار أعماقه المرهفة وتتعاطف معه وتصمم على إنقاذه من نفسه.. ومن خلال سلسلة من الأحداث المميزة تقع الطبيبة الشابة في حب مريضها، فتضطر إلى التخلي عن وظيفتها ومستقبلها المهني، بسبب هذا الحب، وحتى لا يتناقض هذا الشعور وشرف المهنة وتتفرغ بالتالي لهذا المريض الذي أحبته بصدق ووجدته أكثر عقلا واتزانا وإخلاصا من عقلاء كثيرين مروا في حياتها، وبتضحيتها بالوظيفه تنقذه من محنته وتخرجه من عقيدة ترسخت في أعماقه زمنا ورسخت معها قناعة لديه «بأنه لا شيء في الدنيا يستحق التضحية من أجله».. وبالحب والتضحية يشفي السيد «جونز» وتتفتح للطبيبة الشابة نافذة جديدة على الحياة.. لقد قدم «ريتشارد جير» إبداعا جديدا من إبداعاته التي تضيف إلى رصيده الكثير، وتؤكد أنه نجم لكل زمان ولكل دور يؤديه، الفيلم رحلة في أعماق النفس البشرية نلتمس من خلالها بعض زوايا هذا الصندوق السري الغامض الذي لا يزال الكثير فيه مجهولا لنا.. لقد حولت كاتبة السيد «جونز» ألم الحب إلى حب الألم وشفي «ريتشارد جير» وغرقت «لينا أولين» في بحر المريض، وكأنها تهتف مع المتصوف الألماني «أكمارات»، أن أسرع حيوان ينقلك إلى الكمال هو الألم.. وجواب حالها في ما قاله شاعرنا العربي حينما سألوه ما لقلوبكم هكذا تذوب كما يذوب الملح في الماء؟ فقال: لأننا ننظر إلى عيون لا ترونها !! فهل للألم عيون!!
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 134 مسافة ثم الرسالة