رحم الله شيخ الأزهر الجليل (محمد سيد طنطاوي) وصل المطار ولم يغادر.. وأقبل على الطائرة ولم يركبها.. وأراد القاهرة وأراد الله له «البقيع»! ونوى السفر فسافر إلى الآخرة. أسكنه الله فسيح جنته، حتى موته كان درسا عظيما! حتى في موته.. يعطي الدروس! فالبقاء لله، والإنسان مهما علا يموت! ولا تدري نفس بأي أرض تموت! وإنما الأعمار بيد الله، واليوم نحن فوق الأرض وغدا تحتها! وما أسرع الموت فلا تبطئ في حسن العمل ولا تؤجل خيرا في اليوم إلى غد!!
لست بصدد ذكر عدد مناقب ومحاسن الراحل الكريم العزيز الجليل الورع التقي النقي الرقيق الصامد الصبور الصارم في سلاسة ونعومة وهدوء! إنما أنتهز الفرصة الأليمة لتقديم واجب العزاء لجميع أهله وذويه وخاصته أجمعين وللعالم العربي والإسلامي، الذي فقد شخصية دينية متزنة لا تفرح بقدرتها على إشعال فتيل الخصومات والفتن ، بل تفرح بقدرتها على تضميد الجراح ونزع الألغام في طريق الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة.
شخصية لا تسعى إلى شق المجتمعات نصفين! مع وضد! ولا تبحث عن الصدارة.. بالإثارة! ولا تروج لفضيلة وراءها خسائر في الأرواح وفي الأمن والأمان! كي ترضي عصبة أو جماعة! رحم الله الأمة في رجل حتى لا يتناقص منها الأكفاء ولا يبقى لها إلا اللمم!! والعفن!! الشيخ الشهير بـ(سيد طنطاوي) خرج من الصف المرصوص ليترك بعده المكان شاغرا بحدوث فجوة يصعب سد الثغرة بعده! ولأنه من الوسطيين العظام لا غلو ولا تفريط! أعجب كل العجب مما يجري في عالمنا الإسلامي عند رحيل أمثال هؤلاء البارزين المعتدلين! فأين الجهات والمنظمات والهيئات الإسلامية عنهم! لماذا لا تنعاهم إلى العالم! وتكرمهم في الرحيل الأخير وتقدم للأجيال صورتهم الحقيقية حتى لا ينظر الناشئة لصغار المفتين ولا يكون مشايخهم على طراز: اقتل.. وروع.. وتحزم بالحزام الناسف.. وقم بتفجير الآمنين! فالذين أنكروا على الراحل الجليل فتاواه، خاصة الأخيرة فرحوا برحيله وزمجروا بأصواتهم مهنئين المنتديات والمواقع الإنترنتية، مما يدل على سفه أخلاقهم، فحتى الموت لا حرمة له عندهم! تمنيت في مقابل ذلك لو أن الجهات المعنية مثل رابطة العالم الإسلامي بادرت إلى نعيه للناس.. وتقديم جهوده للأجيال الناشئة، تمنيت لو احتوت الحدث بوعي الساعة، ودخلت من خلاله إلى البيوت، وأكرمته حتى يبقى اليقين شائعا أن الوسطيين المعتدلين لا يهونون ولا هم منبوذون. عالمنا الإسلامي أحوج ما يكون لشخصية دينية مثل شخصية الجليل طنطاوي، وحتى نغرس الولاء في نفوس الناشئة كان ينبغي تكريم العلماء الوسطيين الأجلاء في موتهم حتى يكبر الصغار على حبهم.

للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 152 مسافة ثم الرسالة