هديتي إلى عبده خال
عبده خال، هذا المبدع الذي يحترق صباحا في أتون تعليم الصبية، ويتمزق مساء بين شؤون البيت والأبناء، وتدبيج مقالات يومية لـ «عكاظ» هي في حقيقتها أيضا نوع من الاحتراق لموهبة أدبية قلما يجود الزمان بمثلها للناطقين باللغة العربية. كالغريب ذهب إلى أبو ظبي، وكالإعصار الجارف المتفجر بالعالمية عاد. وما إن عاد حتى دخل من جديد في كهف السكون ليتابع حياته من جديد محترقا من جديد في رحلة البحث عن لقمة العيش التي لا تنتهي.
وعدته يوما أن أكتب مقالة عن قصيدة كتبها (أوكتافيو باز) السفير والشاعر المكسيكي الذي فاز بجائزة (نوبل) في الآداب سنة (1992م) والذي يعتبر واحدا من مرجعيات مرحلة (ما بعد الحداثة) في اللغة والأدب. لقد أعجب به عبده خال من خلال حديث جانبي جمعني به إلى جانب الأخ والزميل أحمد عائل فقيهي في قاعة الانتظار قبل بدء جلسة من جلسات (منتدى عكاظ)، كنت أحدثهما عن قصيدة (الأول من يناير) لأكتافيو باز التي صور فيها لحظة فاصلة من الزمن بين عام مضى وعام جديد، فظهرت صورته بأسلوب شاعري رفيع لم يسبقه إليه أحد، فوصف اللحظة أصعب بكثير من وصف الزمن، وحينما قرأت عدة عبارات كما فهمتها من ترجمتي الإنجليزية المتواضعة للقصيدة غاب عني عبده خال لحظة خلته حلق خلالها في عوالم بعيدة لا أعرفها في أعماق نفسه وتجربته الثرية ليعود مشرقا بعبارات (الله الله الله .. أرى الصورة .. أرى الصورة) وهنا طلب مني أن أكتب المقالة، ولكنني ما لبثت أن تهت بعد ذلك في زحمة الحياة ولم ينبهني إلى وعدي سوى انفجار الإعلام العالمي باسم عبده خال الذي تطاير عطرا في سماء الإبداع وشظايا صخرة صلبة متناثرة في وجوه أعداء النجاح. ولذلك ما سأكتبه عن باز لن يكون مفصلا وطويلا كسيرة ذاتية فيكفي ما أوردته ولكنني سأكتفي بترجمة قصيدة (الأول من يناير) والتعليق عليها كإهداء خاص لعبده خال، مع الاعتذار مقدما عن الترجمة التي أعلم أنها متواضعة فأنا أترجم للعربية عن الإنجليزية في حين أن القصيدة كتبت أصلا بالأسبانية.
يقول أكتافيو باز في قصيدته:
تنفتح أبواب السنة،
على المجهول،
مثل أبواب اللغة.
في الليلة الماضية قلتِ لي،
غدا
وعلى صفحة مفتوحة
من الورق ومن النهار.
سنرسم معالم،
نحدد ملامح مشهد، ونوجد حقلاً
غدا
علينا أن نبتكر،
واقع العالم، من جديد.
حينما فتحت عيني كان الوقت متأخراً.
وللمحة من الثانية
شعرت وكأني رجل من (الأزتيك)
متهالك على قمة صخرة،
يراقب
فجوات الآفاق
منتظرا عودة (غير مؤكدة) للزمان.
كلا، لقد عاد الزمان
عادت السنة
ملأت الغرفة
ويمكن أن ألمسها بنظراتي
ودون مساعدة منا
وعلى نفس الترتيب، كما في الأمس،
رتب الوقت البيوت في الشوارع الفارغة،
والثلج فوق المنازل،
والصمت فوق الثلج.
أنت ما زلتِ نائمة بجانبي
أبدعك النهار من جديد،
ولكنك لم تقبلي إبداعه بعد،
ولم تقبلي بي
فأنت مازلت في يوم آخر.
أنت بجانبي،
وأنا أراك كالثلج
نائمة بكل وضوح
ودون مساعدة منا
يرتب الوقت المنازل والشوارع، والأشجار،
والمرأة النائمة
عندما تفتحين عينيك
سنمضي من جديد
بين الساعات وإبداعاتها،
تظهر المشاهد وتغيب
وبعد أن ندلي بشهادتنا للوقت
سنندمج
ثم نقوم بفتح أبواب هذا النهار،
وسنمضي إلى المجهول.
الأزتك، هم أبناء حضارة وثنية أمريكية جنوبية قديمة عرفت بهذا الاسم، ومن أهم طقوسهم التضحية بفتاة مختارة على صخرة عالية إرضاء لمعبودهم كل عام. أما اللحظة المذهلة في القصيدة فهي لحظة دخول العام الجديد وشخص مستيقظ أصبح من أبناء اليوم الأول في العام الجديد يراقب تراتبية ظهور الأشياء، في حين أن شريكته في الفراش مازالت نائمة فكأنما هي مازالت تعيش في اليوم السابق وفي العام السابق ولم تولد في العام الجديد بعد.
فيا لها من صورة رائعة أرجعت عبده خال من عوالمه الخاصة وهو يهتف الله .. الله .. أرى الصورة .. أرى الصورة.
هذه الصورة أهديها لك أيها المبدع ولإبداعاتك التي لا تقل عنها بل تضاهيها، وإذا ما عفا الله عنك من الكد للقمة العيش، فمن المؤكد أننا سوف نراك معلما عالميا من معالم الرواية الحديثة، لأن إبداعات أكتافيو باز الكبرى وغيره من المبدعين الأدبية تحققت بعد اعتزالهم للعمل اليومي الرتيب.
altawati@yahoo.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 130 مسافة ثم الرسالة
وعدته يوما أن أكتب مقالة عن قصيدة كتبها (أوكتافيو باز) السفير والشاعر المكسيكي الذي فاز بجائزة (نوبل) في الآداب سنة (1992م) والذي يعتبر واحدا من مرجعيات مرحلة (ما بعد الحداثة) في اللغة والأدب. لقد أعجب به عبده خال من خلال حديث جانبي جمعني به إلى جانب الأخ والزميل أحمد عائل فقيهي في قاعة الانتظار قبل بدء جلسة من جلسات (منتدى عكاظ)، كنت أحدثهما عن قصيدة (الأول من يناير) لأكتافيو باز التي صور فيها لحظة فاصلة من الزمن بين عام مضى وعام جديد، فظهرت صورته بأسلوب شاعري رفيع لم يسبقه إليه أحد، فوصف اللحظة أصعب بكثير من وصف الزمن، وحينما قرأت عدة عبارات كما فهمتها من ترجمتي الإنجليزية المتواضعة للقصيدة غاب عني عبده خال لحظة خلته حلق خلالها في عوالم بعيدة لا أعرفها في أعماق نفسه وتجربته الثرية ليعود مشرقا بعبارات (الله الله الله .. أرى الصورة .. أرى الصورة) وهنا طلب مني أن أكتب المقالة، ولكنني ما لبثت أن تهت بعد ذلك في زحمة الحياة ولم ينبهني إلى وعدي سوى انفجار الإعلام العالمي باسم عبده خال الذي تطاير عطرا في سماء الإبداع وشظايا صخرة صلبة متناثرة في وجوه أعداء النجاح. ولذلك ما سأكتبه عن باز لن يكون مفصلا وطويلا كسيرة ذاتية فيكفي ما أوردته ولكنني سأكتفي بترجمة قصيدة (الأول من يناير) والتعليق عليها كإهداء خاص لعبده خال، مع الاعتذار مقدما عن الترجمة التي أعلم أنها متواضعة فأنا أترجم للعربية عن الإنجليزية في حين أن القصيدة كتبت أصلا بالأسبانية.
يقول أكتافيو باز في قصيدته:
تنفتح أبواب السنة،
على المجهول،
مثل أبواب اللغة.
في الليلة الماضية قلتِ لي،
غدا
وعلى صفحة مفتوحة
من الورق ومن النهار.
سنرسم معالم،
نحدد ملامح مشهد، ونوجد حقلاً
غدا
علينا أن نبتكر،
واقع العالم، من جديد.
حينما فتحت عيني كان الوقت متأخراً.
وللمحة من الثانية
شعرت وكأني رجل من (الأزتيك)
متهالك على قمة صخرة،
يراقب
فجوات الآفاق
منتظرا عودة (غير مؤكدة) للزمان.
كلا، لقد عاد الزمان
عادت السنة
ملأت الغرفة
ويمكن أن ألمسها بنظراتي
ودون مساعدة منا
وعلى نفس الترتيب، كما في الأمس،
رتب الوقت البيوت في الشوارع الفارغة،
والثلج فوق المنازل،
والصمت فوق الثلج.
أنت ما زلتِ نائمة بجانبي
أبدعك النهار من جديد،
ولكنك لم تقبلي إبداعه بعد،
ولم تقبلي بي
فأنت مازلت في يوم آخر.
أنت بجانبي،
وأنا أراك كالثلج
نائمة بكل وضوح
ودون مساعدة منا
يرتب الوقت المنازل والشوارع، والأشجار،
والمرأة النائمة
عندما تفتحين عينيك
سنمضي من جديد
بين الساعات وإبداعاتها،
تظهر المشاهد وتغيب
وبعد أن ندلي بشهادتنا للوقت
سنندمج
ثم نقوم بفتح أبواب هذا النهار،
وسنمضي إلى المجهول.
الأزتك، هم أبناء حضارة وثنية أمريكية جنوبية قديمة عرفت بهذا الاسم، ومن أهم طقوسهم التضحية بفتاة مختارة على صخرة عالية إرضاء لمعبودهم كل عام. أما اللحظة المذهلة في القصيدة فهي لحظة دخول العام الجديد وشخص مستيقظ أصبح من أبناء اليوم الأول في العام الجديد يراقب تراتبية ظهور الأشياء، في حين أن شريكته في الفراش مازالت نائمة فكأنما هي مازالت تعيش في اليوم السابق وفي العام السابق ولم تولد في العام الجديد بعد.
فيا لها من صورة رائعة أرجعت عبده خال من عوالمه الخاصة وهو يهتف الله .. الله .. أرى الصورة .. أرى الصورة.
هذه الصورة أهديها لك أيها المبدع ولإبداعاتك التي لا تقل عنها بل تضاهيها، وإذا ما عفا الله عنك من الكد للقمة العيش، فمن المؤكد أننا سوف نراك معلما عالميا من معالم الرواية الحديثة، لأن إبداعات أكتافيو باز الكبرى وغيره من المبدعين الأدبية تحققت بعد اعتزالهم للعمل اليومي الرتيب.
altawati@yahoo.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 130 مسافة ثم الرسالة
كتاب ومقالات









