سرطان المجتمعات
طالعنا في الصفحة الأولى من صحيفة المدينة، العدد «17114» الصادر يوم الثلاثاء 16 ربيع أول 1431هـ الموافق 02 مارس 2010م العناوين التالية:
- رئيس كتابة عدل: الضحايا دفعوا الثمن واكتشفوا التلاعب عند الإفراغ. التحقيق مع ستة مواطنين باعوا أراضي وأبراجا سكنية في جدة بصكوك مزورة.
- مجلس الوزراء: عقوبات مشددة لمصدري الشيك بدون رصيد تصل إلى السجن والتشهير.
- الأمانة: مصير مخططات «شرق السريع» الموقوفة خلال أيام.
- الشرطة: حريق أدبي الجوف «جنائي» والبحث جار عن الفاعل.
- صورة: اشتباكات بالأيدي مع لجنة التعديات في مخطط أبها.
هذه العناوين، إلى جانب عناوين أخرى على الصفحة الأولى، أصابتني بالإحباط والإحساس بالخوف والألم.
صحيح أن المجتمع السعودي قد تحول خلال فترة وجيزة من مجتمع بسيط، متجانس، تراثي نقي، إلى مجتمع حديث معقد ومركب، يحفل بكل أمراض ومساوئ المجتمعات العصرية المادية. وصحيح أن الأمور لا تبقى على حال، وأن التطور يشمل أمورا جميلة وجيدة، مثلما تصاحبه مشاكل جديدة ومثالب لم نكن نتوقعها أو مستعدين لها. وصحيح أيضا أن هذه المشاكل والمساوئ هي من سمات جميع المجتمعات العصرية الحديثة، سواء في الشرق أم في الغرب.
ولكني شخصيا أشعر بالخسارة الفادحة التي يواجهها المجتمع السعودي بهذا التحول الكبير، المخيف. فقد عشت سابقا في مجتمع أقل ما يقال عنه أنه كان مجتمعا «عذريا» وصالحا يخاف الله، ونقيا إلى أبعد الحدود، ثم عايشت تقلباته وتحولاته إلى الحداثة والعولمة المادية، لتدخل عليه تدريجيا عوامل التعرية، وآفة الفساد والأنانية، وحب الذات وحب التمايز، ودرجة ملحوظة من مشاعر العنصرية والفشخرة، والبعد عن الروحانيات الجميلة المريحة التي كان يتميز بها المجتمع السعودي، سواء في البادية أم في المدينة.
ما قرأته على الصفحة الأولى من صحيفة المدينة في عددها المذكور، تراءى لي وكأنه ملخص سريع لوضعنا الاجتماعي، أو لانزلاقنا الاجتماعي، إن استمر لن يعرف قراره إلا الله عز وجل.
فالفساد إن انتشر، مصحوبا بالعنصرية والعجرفة والإحباط، لن تفيد في وقفه أو تحجيمه أي قوانين أو أنظمة. هو وباء جارف يلتحف كل ما أمامه، ويخلف وراءه البؤس والشقاء. وكما قال ابن خلدون، إذا انتشر الفساد في مجتمع وعاث فيه، فلنعلم أنها بداية النهاية.
المؤلم أن هذه التغيرات حدثت بسرعة خارقة، وفي أوقات قياسية لم تترك لنا مجالا كافيا لدراستها كظاهرة، وللتفكير في الإجراءات والوسائل الضرورية لمواجهتها، أو الحد منها. بل إن الكثير منا ظن أنها ظاهرة صحية. فالتطور والحداثة والعولمة يجب قبولها هكذا بكل ما تشمله من مزايا ومنافع وحسنات، وكذلك بكل ما تشمله من عواقب مسيئة ومثالب وفظاظة ونعرات اجتماعية كريهة، فهي طرد واحد أو صفقة واحدة، إما أن تقبلها كلها أو تتركها كلها، هكذا !؟ وكم تألمت عندما وصل الأمر عند أحدهم إلى القول بأنه يجب الترحيب بكل الأموال القادمة إلينا حتى لو عن طريق غسيل الأموال، فلماذا لا، المال هو المال، ولا يوجد مال نظيف ومال قذر!! تخيلوا، إلى هذه الدرجة؟.
نعم، نحن لسنا إلا جزءا من عالم أكبر من حدودنا، ومن مجتمع عالمي واسع، بكل حسناته ومساوئه. لكن هذا لا يعني أن ننسى أنفسنا، وننسى كيف كنا، ونهمل كيف أصبحنا ونتغاضى عن إلى أين نسير. لابد لنا من مواجهة صادقة مع أنفسنا، فلا نتحدث فقط ونكتب ونعمل من أجل التحديث والتطور والعولمة، وإنما أن يكون قبل كل شيء تاريخنا وتاريخ أجدادنا البسيط، المتعفف، النقي، هو دليلنا بكل مبادئه الطيبة الأصيلة، في طريقٍ وجدنا أنفسنا نسير في عتمته وظلماته، ولا دليل لنا سوى تلك المبادئ المشرقة.
لن يفيدنا في محاربة الرشوة وسرقة المال العام ألف وثيقة ووثيقة، ولن يعيننا على مواجهة كل أنواع الفساد المالي والاجتماعي والإداري مليون دراسة ودراسة. إن لم يصحب تلك الوثائق والدراسات تطبيق صارم لإجراءات وآليات محاربة هذا الوباء الجارف، فسنظل كمن يحاول الغناء وسط العاصفة.
لا أمل لنا سوى التعجيل بإنشاء هيئة أو لجنة دائمة، لمحاربة الفساد، تتصل مباشرة بملك البلاد وقائد مسيرتها، الذي لا يكل عن التوجيه بالإصلاح والعمل الدؤوب من أجله والحزم في مكافحة الفساد. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا»؟.
ولذلك أضم صوتي إلى صوت معالي رئيس مجلس الشورى، الدكتور عبد الله آل الشيخ في قوله لصحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر يوم الاثنين الموافق 1مارس2010م، إنه يجب أن ترى «الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد» النور قريبا.
فالإصلاح، ومكافحة الفساد، أمران لهما أوجه متعددة، أشعر شخصيا أن مجتمعنا في أشد الحاجة إليها، عاجلا قبل آجل.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 129 مسافة ثم الرسالة
- رئيس كتابة عدل: الضحايا دفعوا الثمن واكتشفوا التلاعب عند الإفراغ. التحقيق مع ستة مواطنين باعوا أراضي وأبراجا سكنية في جدة بصكوك مزورة.
- مجلس الوزراء: عقوبات مشددة لمصدري الشيك بدون رصيد تصل إلى السجن والتشهير.
- الأمانة: مصير مخططات «شرق السريع» الموقوفة خلال أيام.
- الشرطة: حريق أدبي الجوف «جنائي» والبحث جار عن الفاعل.
- صورة: اشتباكات بالأيدي مع لجنة التعديات في مخطط أبها.
هذه العناوين، إلى جانب عناوين أخرى على الصفحة الأولى، أصابتني بالإحباط والإحساس بالخوف والألم.
صحيح أن المجتمع السعودي قد تحول خلال فترة وجيزة من مجتمع بسيط، متجانس، تراثي نقي، إلى مجتمع حديث معقد ومركب، يحفل بكل أمراض ومساوئ المجتمعات العصرية المادية. وصحيح أن الأمور لا تبقى على حال، وأن التطور يشمل أمورا جميلة وجيدة، مثلما تصاحبه مشاكل جديدة ومثالب لم نكن نتوقعها أو مستعدين لها. وصحيح أيضا أن هذه المشاكل والمساوئ هي من سمات جميع المجتمعات العصرية الحديثة، سواء في الشرق أم في الغرب.
ولكني شخصيا أشعر بالخسارة الفادحة التي يواجهها المجتمع السعودي بهذا التحول الكبير، المخيف. فقد عشت سابقا في مجتمع أقل ما يقال عنه أنه كان مجتمعا «عذريا» وصالحا يخاف الله، ونقيا إلى أبعد الحدود، ثم عايشت تقلباته وتحولاته إلى الحداثة والعولمة المادية، لتدخل عليه تدريجيا عوامل التعرية، وآفة الفساد والأنانية، وحب الذات وحب التمايز، ودرجة ملحوظة من مشاعر العنصرية والفشخرة، والبعد عن الروحانيات الجميلة المريحة التي كان يتميز بها المجتمع السعودي، سواء في البادية أم في المدينة.
ما قرأته على الصفحة الأولى من صحيفة المدينة في عددها المذكور، تراءى لي وكأنه ملخص سريع لوضعنا الاجتماعي، أو لانزلاقنا الاجتماعي، إن استمر لن يعرف قراره إلا الله عز وجل.
فالفساد إن انتشر، مصحوبا بالعنصرية والعجرفة والإحباط، لن تفيد في وقفه أو تحجيمه أي قوانين أو أنظمة. هو وباء جارف يلتحف كل ما أمامه، ويخلف وراءه البؤس والشقاء. وكما قال ابن خلدون، إذا انتشر الفساد في مجتمع وعاث فيه، فلنعلم أنها بداية النهاية.
المؤلم أن هذه التغيرات حدثت بسرعة خارقة، وفي أوقات قياسية لم تترك لنا مجالا كافيا لدراستها كظاهرة، وللتفكير في الإجراءات والوسائل الضرورية لمواجهتها، أو الحد منها. بل إن الكثير منا ظن أنها ظاهرة صحية. فالتطور والحداثة والعولمة يجب قبولها هكذا بكل ما تشمله من مزايا ومنافع وحسنات، وكذلك بكل ما تشمله من عواقب مسيئة ومثالب وفظاظة ونعرات اجتماعية كريهة، فهي طرد واحد أو صفقة واحدة، إما أن تقبلها كلها أو تتركها كلها، هكذا !؟ وكم تألمت عندما وصل الأمر عند أحدهم إلى القول بأنه يجب الترحيب بكل الأموال القادمة إلينا حتى لو عن طريق غسيل الأموال، فلماذا لا، المال هو المال، ولا يوجد مال نظيف ومال قذر!! تخيلوا، إلى هذه الدرجة؟.
نعم، نحن لسنا إلا جزءا من عالم أكبر من حدودنا، ومن مجتمع عالمي واسع، بكل حسناته ومساوئه. لكن هذا لا يعني أن ننسى أنفسنا، وننسى كيف كنا، ونهمل كيف أصبحنا ونتغاضى عن إلى أين نسير. لابد لنا من مواجهة صادقة مع أنفسنا، فلا نتحدث فقط ونكتب ونعمل من أجل التحديث والتطور والعولمة، وإنما أن يكون قبل كل شيء تاريخنا وتاريخ أجدادنا البسيط، المتعفف، النقي، هو دليلنا بكل مبادئه الطيبة الأصيلة، في طريقٍ وجدنا أنفسنا نسير في عتمته وظلماته، ولا دليل لنا سوى تلك المبادئ المشرقة.
لن يفيدنا في محاربة الرشوة وسرقة المال العام ألف وثيقة ووثيقة، ولن يعيننا على مواجهة كل أنواع الفساد المالي والاجتماعي والإداري مليون دراسة ودراسة. إن لم يصحب تلك الوثائق والدراسات تطبيق صارم لإجراءات وآليات محاربة هذا الوباء الجارف، فسنظل كمن يحاول الغناء وسط العاصفة.
لا أمل لنا سوى التعجيل بإنشاء هيئة أو لجنة دائمة، لمحاربة الفساد، تتصل مباشرة بملك البلاد وقائد مسيرتها، الذي لا يكل عن التوجيه بالإصلاح والعمل الدؤوب من أجله والحزم في مكافحة الفساد. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا»؟.
ولذلك أضم صوتي إلى صوت معالي رئيس مجلس الشورى، الدكتور عبد الله آل الشيخ في قوله لصحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر يوم الاثنين الموافق 1مارس2010م، إنه يجب أن ترى «الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد» النور قريبا.
فالإصلاح، ومكافحة الفساد، أمران لهما أوجه متعددة، أشعر شخصيا أن مجتمعنا في أشد الحاجة إليها، عاجلا قبل آجل.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 129 مسافة ثم الرسالة
كتاب ومقالات









