وهم السلطة الرابعة
قوة الصحافة والإعلام يسميها أهل الصحافة والإعلام بالسلطة الرابعة، وهي السلطة التي تراقب وتنقد السلطات الثلاث في النظام الديمقراطي. وغير خاف على أحد أن دور الإعلام أصبح في العصر الحديث، ومع التطور التكنولوجي الواسع في وسائل الاتصال، وكأنه هو السلطة الأولى لا الرابعة. لقد صار كل من يريد لآرائه الرواج ولنفسه الشهرة والمكانة أن يبحث عن أضواء الإعلام، وأن يظهر فيها بشكل مستمر. ومع ذلك فالإعلام سلاح ذو حدين كما يقولون، فالضوء الذي يضيء قد يحرق إذا اشتد ضوؤه!
هل الإعلام، واقعيا، هو السلطة الرابعة المخولة بمراقبة ومساءلة ونقد ما يجري على الساحة الواقعية؟ أم أنها دعاية روج لها الإعلام ذاته لكي يكسب المصداقية والحظوة لدى المشاهدين والمتلقين؟
مبدئيا أقول إن ما أريده من الإعلام هو أن يكون كذلك. ولكننا نتناسى أن من يدير الإعلام ومن يحرك الآلة الإعلامية هم بشر في نهاية الأمر، ولهم مصالح ومطامح وغايات تختلف عن مصالح ومطامح وغايات أناس كثيرين. هؤلاء الناس الكثيرون هم من يدرك تمام الإدراك أن الإعلام ليس سلطة رابعة نقدية، بل هو سلطة أيديولوجية خاصة بفئات معينة وتوجهات محددة تهدف إلى توجيه فكر المتلقي نحو أهداف معينة تخدم أغراض هذه الفئات. وهي لا تعلن ذلك بصراحة بل إنها تغطي خطابها الإعلامي بعبارات براقة وشعارات رنانة، وتتوسل بالدين حينا، وبالعلم تارة أخرى، وبالأخلاق في بعض الأحيان.
فلننظر في شأن الدعاية التجارية التي تتخذ لها مكانا داخل آلة الإعلام بصورة عامة. إن الإعلام الموجه يمارس نفس ما تمارسه الدعاية التجارية. الفرق يكمن فقط في أن المعلن التاجر يستهدف جيوب الناس، بينما الإعلام الموجه (ونسميه بالأيديولوجي) يستهدف عقول الناس وقلوبهم. وأما ما عدا ذلك فهم يتشابهون. فكثيرا ما يفتتح الإعلان دعايته بأن هذا المنتج موصى به من قبل العلماء، أو أنه ثابت علميا. والمثير للغرابة أن المشاهدين أصبحوا واعين بهذا التلاعب، ومع ذلك يستمر المنتِج المعلِن في دعايته، ويستمر المشاهدون في ابتياع بضاعته!. والسبب هو أن الناس قد أصبحوا واقعين في قبضة الإعلان والإعلام، ولم يعد ثمة مجال للانفكاك منه. أين يذهبون؟ كل الأقنية الإعلامية وكل الدعايات التجارية على نفس المنوال. لقد أضحى الناس يبحثون عن الكذب الخاص بهم والمفيد لهم!
ليس الإعلام إذن ناقدا ومراقبا للسياسي والاجتماعي، بل صار تابعا له وحاذيا حذوه. وأنا لا أتحدث عن الإعلام العربي، فهو بدأ هكذا ولايزال. أي أنه تابع وأيديولوجي ولا تجد فيه من يكون هدفه خدمة الناس خدمة خالصة لوجوههم ولسواد عيونهم. وهو معذور، فالإعلام لا يكون سلطة رابعة إلا في ظل الديمقراطية. ولكن دعونا نتساءل حول الإعلام الغربي الموصوف بأنه ديمقراطي، هل هو كذلك حقا؟
لست متابعا كثيرا له. ولكنني على يقين أنه ديمقراطي في أمور، وديكتاتوري، إذا جاز التعبير، في أمور أخرى. وهي أمور لا مفر له من الانصياع لها وعدم مخالفتها. إنني واثق تمام الثقة أن السياسي لا يحكم فقط من خلال قصره الرئاسي ومن خلال بيته الأبيض وحده، فهو يبث أوامره في كل تفصيلات الحياة، بدءا من المدرسة وانتهاء بالأكاديمية والسوق ومجال الرأي العام. والإعلام الغربي، الذي نتحدث عنه هنا، هو نوعان: نوع من الإعلام النزيه الذي يرفع شعار النقد والمعارضة، ونوع من الإعلام الموجه الذي يحرس ويروج للقرارات السياسية والرئاسية. وبالتأكيد فإن النوع الثاني سيحظى بدعم السياسي ومباركته، وسيلتهم النوع الأول ويجعله حسيرا محصورا في نطاق ضيق لا يمكنه من التواصل مع الناس وتوعيتهم. ولكن هل هو بالفعل نزيه أم أنه فقط مجرد إعلام معارض، أي في خدمة قوى سياسية أخرى تقع على الهامش وتروم إلى تولي زمام الأمور في البلاد؟ من ميزة الإعلام المعارض، وبما أنه خارج الأضواء والضغط، فإنه يتمتع بحرية أكبر، وبمصداقية أكثر، ولكنه في النهاية مسيس تماما، من ألفه إلى يائه.
يذكر نعوم تشومسكي، وهو معارض ــ ذو توجه يساري ــ للسياسة الأمريكية (الرأسمالية، الليبرالية!) أن قوة السياسة تتعزز بقوة إعلامها. ويستشهد بأمثلة توضح رأيه. ومنها أول عملية دعائية سياسية في العصر الحديث، كما يقول. وهي (لجنة كريل) ؛ تلك اللجنة الدعائية التي أنشأتها إدارة الرئيس ويلسون عام 1916م، أي إبان الحرب العالمية الأولى. كان المواطنون مسالمين ومحايدين ولا شأن لهم بهذه الحرب الأوروبية، إلا أن الرئيس كانت له التزامات مع انجلترا وفرنسا تجاه الحرب، فكان إنشاء هذه اللجنة واجبا سياسيا. يقول تشومسكي (وقد نجحت اللجنة خلال ستة أشهر في تحويل المواطنين المسالمين إلى مواطنين تتملكهم الهستيريا والتعطش للحرب والرغبة في تدمير كل ما هو ألماني وخوض الحرب وإنقاذ العالم!). وحدث مثل ذلك إبان الشيوعية، وحدث خلال حرب الخليج. ولا يخفى عليكم أنه حدث أيضا إبان غزو العراق.
في نهاية الأمر، هل الإعلام المعارض الذي يمثله تشومسكي صائبا، والإعلام الذي تمثله الإدارة السياسية خاطئا؟ هل هذا نزيه ومسالم، وذاك مغرض وعدواني؟ في تقديري أن كليهما له مصالحه الخاصة، وهو يتبعها سواء أكانت خيرا أم شرا. فهذا تشومسكي نفسه، وكثير من الماركسيين الأوربيين، لم يهاجموا ما حدث في الاتحاد السوفياتي.
علينا إذن ألا نطلب من الإعلام أكثر مما يتجاوز طبيعته. فنحن لو قدر لنا أن يكون لنا أمر هذه الآلة الإعلامية فسنفعل ما تقتضيه طبيعة الإعلام تماما. أجل كلنا سنفعل ذلك!
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 118 مسافة ثم الرسالة
هل الإعلام، واقعيا، هو السلطة الرابعة المخولة بمراقبة ومساءلة ونقد ما يجري على الساحة الواقعية؟ أم أنها دعاية روج لها الإعلام ذاته لكي يكسب المصداقية والحظوة لدى المشاهدين والمتلقين؟
مبدئيا أقول إن ما أريده من الإعلام هو أن يكون كذلك. ولكننا نتناسى أن من يدير الإعلام ومن يحرك الآلة الإعلامية هم بشر في نهاية الأمر، ولهم مصالح ومطامح وغايات تختلف عن مصالح ومطامح وغايات أناس كثيرين. هؤلاء الناس الكثيرون هم من يدرك تمام الإدراك أن الإعلام ليس سلطة رابعة نقدية، بل هو سلطة أيديولوجية خاصة بفئات معينة وتوجهات محددة تهدف إلى توجيه فكر المتلقي نحو أهداف معينة تخدم أغراض هذه الفئات. وهي لا تعلن ذلك بصراحة بل إنها تغطي خطابها الإعلامي بعبارات براقة وشعارات رنانة، وتتوسل بالدين حينا، وبالعلم تارة أخرى، وبالأخلاق في بعض الأحيان.
فلننظر في شأن الدعاية التجارية التي تتخذ لها مكانا داخل آلة الإعلام بصورة عامة. إن الإعلام الموجه يمارس نفس ما تمارسه الدعاية التجارية. الفرق يكمن فقط في أن المعلن التاجر يستهدف جيوب الناس، بينما الإعلام الموجه (ونسميه بالأيديولوجي) يستهدف عقول الناس وقلوبهم. وأما ما عدا ذلك فهم يتشابهون. فكثيرا ما يفتتح الإعلان دعايته بأن هذا المنتج موصى به من قبل العلماء، أو أنه ثابت علميا. والمثير للغرابة أن المشاهدين أصبحوا واعين بهذا التلاعب، ومع ذلك يستمر المنتِج المعلِن في دعايته، ويستمر المشاهدون في ابتياع بضاعته!. والسبب هو أن الناس قد أصبحوا واقعين في قبضة الإعلان والإعلام، ولم يعد ثمة مجال للانفكاك منه. أين يذهبون؟ كل الأقنية الإعلامية وكل الدعايات التجارية على نفس المنوال. لقد أضحى الناس يبحثون عن الكذب الخاص بهم والمفيد لهم!
ليس الإعلام إذن ناقدا ومراقبا للسياسي والاجتماعي، بل صار تابعا له وحاذيا حذوه. وأنا لا أتحدث عن الإعلام العربي، فهو بدأ هكذا ولايزال. أي أنه تابع وأيديولوجي ولا تجد فيه من يكون هدفه خدمة الناس خدمة خالصة لوجوههم ولسواد عيونهم. وهو معذور، فالإعلام لا يكون سلطة رابعة إلا في ظل الديمقراطية. ولكن دعونا نتساءل حول الإعلام الغربي الموصوف بأنه ديمقراطي، هل هو كذلك حقا؟
لست متابعا كثيرا له. ولكنني على يقين أنه ديمقراطي في أمور، وديكتاتوري، إذا جاز التعبير، في أمور أخرى. وهي أمور لا مفر له من الانصياع لها وعدم مخالفتها. إنني واثق تمام الثقة أن السياسي لا يحكم فقط من خلال قصره الرئاسي ومن خلال بيته الأبيض وحده، فهو يبث أوامره في كل تفصيلات الحياة، بدءا من المدرسة وانتهاء بالأكاديمية والسوق ومجال الرأي العام. والإعلام الغربي، الذي نتحدث عنه هنا، هو نوعان: نوع من الإعلام النزيه الذي يرفع شعار النقد والمعارضة، ونوع من الإعلام الموجه الذي يحرس ويروج للقرارات السياسية والرئاسية. وبالتأكيد فإن النوع الثاني سيحظى بدعم السياسي ومباركته، وسيلتهم النوع الأول ويجعله حسيرا محصورا في نطاق ضيق لا يمكنه من التواصل مع الناس وتوعيتهم. ولكن هل هو بالفعل نزيه أم أنه فقط مجرد إعلام معارض، أي في خدمة قوى سياسية أخرى تقع على الهامش وتروم إلى تولي زمام الأمور في البلاد؟ من ميزة الإعلام المعارض، وبما أنه خارج الأضواء والضغط، فإنه يتمتع بحرية أكبر، وبمصداقية أكثر، ولكنه في النهاية مسيس تماما، من ألفه إلى يائه.
يذكر نعوم تشومسكي، وهو معارض ــ ذو توجه يساري ــ للسياسة الأمريكية (الرأسمالية، الليبرالية!) أن قوة السياسة تتعزز بقوة إعلامها. ويستشهد بأمثلة توضح رأيه. ومنها أول عملية دعائية سياسية في العصر الحديث، كما يقول. وهي (لجنة كريل) ؛ تلك اللجنة الدعائية التي أنشأتها إدارة الرئيس ويلسون عام 1916م، أي إبان الحرب العالمية الأولى. كان المواطنون مسالمين ومحايدين ولا شأن لهم بهذه الحرب الأوروبية، إلا أن الرئيس كانت له التزامات مع انجلترا وفرنسا تجاه الحرب، فكان إنشاء هذه اللجنة واجبا سياسيا. يقول تشومسكي (وقد نجحت اللجنة خلال ستة أشهر في تحويل المواطنين المسالمين إلى مواطنين تتملكهم الهستيريا والتعطش للحرب والرغبة في تدمير كل ما هو ألماني وخوض الحرب وإنقاذ العالم!). وحدث مثل ذلك إبان الشيوعية، وحدث خلال حرب الخليج. ولا يخفى عليكم أنه حدث أيضا إبان غزو العراق.
في نهاية الأمر، هل الإعلام المعارض الذي يمثله تشومسكي صائبا، والإعلام الذي تمثله الإدارة السياسية خاطئا؟ هل هذا نزيه ومسالم، وذاك مغرض وعدواني؟ في تقديري أن كليهما له مصالحه الخاصة، وهو يتبعها سواء أكانت خيرا أم شرا. فهذا تشومسكي نفسه، وكثير من الماركسيين الأوربيين، لم يهاجموا ما حدث في الاتحاد السوفياتي.
علينا إذن ألا نطلب من الإعلام أكثر مما يتجاوز طبيعته. فنحن لو قدر لنا أن يكون لنا أمر هذه الآلة الإعلامية فسنفعل ما تقتضيه طبيعة الإعلام تماما. أجل كلنا سنفعل ذلك!
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 118 مسافة ثم الرسالة
كتاب ومقالات









