ليس إلا

.. والكتاب وعاظ أيضا

صالح إبراهيم الطريقي

ربما وصلت رسالة خاطئة للبعض بأني أحارب أو ضد «الواعظ الإسلامي»، وهذا ليس صحيحا فأنا لست ضد الوعاظ، لكني ضد طغيان الوعظ في أمور تحتاج إلى تفسير وتثقيف المجتمع، لفهم كيف تحدث الأمور، لأن القضية وخاصة حين تتعلق بالإنسان تحتاج إلى فهم أعمق لتداخل اللاوعي في الوعي، أي أحيانا تحدث التصرفات التي لا تروق لنا بتأثير اللاوعي، والذي عادة يتحكم بالإنسان أكثر من تحكم الإنسان به، وأن الحلول هنا لا تكون من خلال الوعظ والتوبيخ، بل من خلال استحضار تلك الأمور العالقة التي ذهبت إلى اللاوعي وأصبحنا لا نتحكم فيها.
والواعظ عادة يعتقد أن الأمور واضحة ولا تحتاج لحفر، لهذا ودون قصد منه نجده ضد الحرية الفردية، فيطحن الفرد لمصلحة الجماعة، أي يريد الجميع متشابهين، وهذا الأمر ضد طبيعة الإنسان وضد الطبيعة، فالأشجار وإن بدت من فصيلة واحدة إلا أنها مختلفة في أوراقها وأغصانها ولا تتطابق أي شجرة مع شجرة أخرى من نفس النوع.
كذلك الواعظ ضد الإبداع وكل ما هو جديد، لهذا يهاجم كل من يحاول ابتكار شيء جديد، وكل ما هو جديد يتعامل معه الواعظ بريبة، ويتهم صاحب هذه الفكرة مجنون، كما حدث لآينشتاين عندما طرح نظريته النسبية لأول مرة اتهم بالجنون، ومع هذا منح الفرصة ليشرح فكرته ولم يتم قمعه، وفيما بعد وحين استوعبت العقول فكرته الجديدة والمجنونة منح جائزة نوبل.
إن تخويف الآخرين والمطالبة بمعاقبة كل من يبتكر فكرة جديدة ومجنونة كما نظن، هو دعوة لعدم الابتكار والتطور، خوفا من الأفكار المضرة.
كتب تركي الدخيل في صحيفة الوطن مقالا، يطالب بمنع اللاعبين من السجود بالملعب، وأحضر مفتي دبي، ليؤكد أن هذا لا يجوز لأن الصلاة لها شروطها، مع أن اللاعب لم يكن يصلي، بقدر ما هو يشكر الله من خلال ثقافته، وهذا المقال الوعظي من الكاتب، لقمع اللاعبين كأي واعظ يمارس عنفه ضد من لا يتماهى مع أفكاره، أو يشبهه.
كتب أيضا دباس الدوسري في صحيفة الجزيرة مقالا، يطالب منع لاعب الهلال البرازيلي أن يعلن عن فرحه برسم عقيدة التثليث على صدره، وأحضر نصا قرآنيا بخلل عقيدة التثليث، ليقمع فرح ذاك البرازيلي، مع أن القرآن يسمح بحرية العقيدة، لكن الوعاظ «الدخيل والدوسري والكثير من الكتاب» يريدون الجميع متشابهين ومتناسقين مع أفكارهم ومعتقداتهم وما يرونه جميلا.
خلاصة القول: إن طغيان الثقافة الوعظية في مجتمع ما، يعني قمع التنوع والتعدد والاختلاف، ومنع الحرية الفردية والتعبير عما تحب وما تؤمن فيه.
هي كذلك تعني طغيان الثقافة الوعظية «هذا خطأ وهذا صواب أو الحلال والحرام»، وهذه الثقافة لن تؤدي في النهاية لتطور المجتمع، لأنك لو ذهبت لسكان السجن سيقولون لك ما الصواب وما الخطأ، لكن المشكلة ليست بما هو صواب وما هو خطأ، بقدر ما هي لماذا حين ندخل مأزقا إنسانيا تختلط الأمور لدينا، ولا نعرف ما الصواب، أو ما الذي يدفع الإنسان لارتكاب الخطأ، وحين يتحول استشاري العلاج النفسي والمفكر والكاتب إلى وعاظ أيضا، من سينشر الوعي في المجتمع؟.
S_alturigee@yahoo.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 127 مسافة ثم الرسالة