أخبار الحوادث وإبراهيـم
أخبار وفيات الحوادث في الصحافة السعودية تأتي دائما مختصرة وتتكىء على مصدر رسمي أو أكثر، وتهمل باستمرار طرفا مهما في الخبر وهو أقارب ومعارف المتوفين، وهذه المشكلة ليست حكرا على اليوميات المحلية ويمكن أن أقول بأنها سلوك صحافي سائد في معظم الصحافة العربية، وقد تكون مستوردة أو منقولة بحذافيرها من دول شقيقة لها تجربة طويلة مع هذه النوعية من المواد، ولا أضيف جديدا لو قلت بأن المجتمع السعودي «يقدر الجاهز» في كل شيء، ولا يبادر إلا إذا وجد نفسه مرغما أو «مغصوبا» على المبادرة، وبصراحة لا أجد مبررا منطقيا لتجاهل هذا الجانب رغم أنه أساسي في تغطية التراجيديا الإنسانية، وربما حدث ويحدث أن تقوم جريدة أو جريدتان أو ثلاث بنشر مقابلات معهم، لخدمة مسار الخبر أو استنتاجاته الخاصة في القضـايا الكبيرة، وبطريقة أقرب إلى محاكمة المتوفى ونشر غسيله أمام الجمهور، وكأن الإحساس بالآخرين أمر غير وارد أو لاينسجم مع فكرة المواطنة والوطنية الصحيحة، ثم لابد من التـوازن والحياد، وأن نتذكر الصفحات البيضاء المحبوسة داخل الركام الأسود، مهما كان العمل شاذا أو خارجا، على الأقل، احتراما لمشاعر الأحياء ومراعاة لمسألة اتفق عليها أهل الاختصاص، موجزها أن مواد الوفيات ترسم الإطار الاجتماعي الأخير لأصحابها، وتحدد الصورة التي سيتذكرهم الناس بها.
الصحافي يحتاج إلى التعامل بحذر وحساسية ولطف مع من فقدوا عزيزين عليهم، وأن يحافظ على هدوئه وتماسك أعصابه ولا يضحك أو «يتفلسف»، والملفت في هذا الموضوع أن أخبار الحوادث وبالذات إذا كانت فيها وفيات، تخضع لاجتهادات الصحافي وتقديره الشخصي للموقف، ولا توجد معايير أو ضوابط أخلاقية لا في الشرق ولا في الغرب، تنظم العملية وتوضح الممنوع والمسموح فيها، ولكن الاختلاف أن الغربيين يهتمون بتسجيل شهادات أقارب ومعارف المتوفين في حوادث مرورية أو كوارث، بل ويقومون بهذا ودماؤهم مازالت ساخنة، وفي المملكة المتحدة على سبيل المثال، وطبقا لقانون صدر في سنة 1999، يجب على الصحافيين في بريطانيا إعطاء هذه الأخبـار حقها من العناية، بل واعتبارها جزءا أساسيا من مهامهم، والاحتمال قائم بأن يترتب على تجاهلها مساءلة قانونية.
إلا أن هؤلاء الصحافيين قد يجدون أنفسهم في مواجهة منفردة مع الحدث، خصوصا إذا كان من نوعية الأحداث التي لا يصاحبها حضور إعلامي مكثف، وهنا يتورط الصحافي وقد يتصرف بتلقائية أو لا يعالج الظرف الإنساني الحساس بأدوات مناسبة، أو قد يقرأ ردود أفعال من يقابلهم بشكل خاطيء، أو لا يعرف من أين يبدأ وإلى أين يتجه، وكتبت جاكي كاميرون (2007) بأن المبتدئين منهم تحديدا يحرصون على سمعتهم أمام زملائهم، ويحاولون قدر الإمكان عدم الاستعانة بهم أو الاستفادة من خبراتهم، وأنهم قد يبالغون في الارتجال وتحييد العواطف، وأحيـانا في مناسبات يفترض أن تكون العاطفة حاضرة فيها ولو بدرجة بسيطة، وأخبار الوفيات ينسحب عليها الكلام السابق، وآمل أن لا نفهم بأن حس المبادرة والفضول والتطفل، أمور مرفوضة صحافيا، لأن غالبيـة الأعمال الصحافية الناجحة جماهيريا، أو بعبارة ثانية، التغطيات المحركة للرأي العام والمستقرة في ذاكرة القراء والمشاهدين تقوم عليها أصلا، أيضا نسبة لا بأس بها من الناس يرون في الإعلام وسيلة مثالية لإيصال مآثر وفضائل فقيدهم للآخرين، كما أنه يسهم كذلك في التخفيف عنهم وإشعارهم بالمشاركة الوجدانية والتعاطف، وبعضهم يحتفظ بقصاصات من المواد المنشورة، أو يؤرشفها في البومات أو ملصقات أو «يبروزها».
إذن ينبغى ألا تصدر «تكليفات» للصحافيين إلا بعد فهم كامل لملابسات أي حدث، وبعد اتخاذ قرار تحريري دقيق يبين أسلوب التعامل معه، وألا يترك المجال لتقديرات الصحافي وشطحاته، وفي الحالة السعودية، يمكن تدوين هذه القرارات التحريـرية، ومعها التجارب المفيدة للصحافيين المحضـرين، ومن ثم العودة إليها أو الاسترشاد بها في التغطيات المقاربة، وبطريقة تشبه نسبيا قواعد السلوك أو الممارسة الصحافية في بريطانيا.
*******
قبل ثلاثة أسابيع أرسل صديق الزاوية إبراهيم آل زيـد، تعليقا الكترونيا على مقالة «يوتيوب والوطن» اختار له عنوان «الوطـن اتفـاق واختـلاف» وقال فيـه بتصرف: بعيدا عن «الوطن» ولماذا تتصدر المواقع في عدد المعلقين، أو أنها حققت تطلعات المواطن وطرحت القضايا بعدالة وحرية، رغم صوت المعارضة من هنا وهناك، فقد وصلت إلى مستوى الشعور باليأس من احتمال تقديم الإعلام لعمل مؤسسي ممنهج يكشف مناطق الظل، بدون إثارة أو ركض وراء مكاسب مادية، ولن أخوض في نوايا أحد، ولكن الكشف عند «جميع» الصحافيين ارتبط بـ «السبق الصحافي» وبالأرباح المؤسسية للصحافة المطبـوعة أو الأجهزة الإعلامية، وليس للدفاع عن قضية طفلة انتهكت إنسانيتها، أو امـرأة تنام ولا تدري من يلتحف «حجابها» من أطفالها، للأسف لم ندرك حتى الآن على المستوى الإعلامي والثقافي رسالة الصحافة، وقادتنا المكاسب الصحافية إلى مساحات من الفخر بالمنجز، دون النظر إلى تأثيراته على أرض الواقع، وكان أن تنازلت الصحافة عن وظيفتها لتتجاذبها تيارات في معركة بلا راية، ثم يدفع المجتمع ثمن هذه المهاترات الورقية، بدل أن يصحو على قضية نشرت واستفزت مسؤولا لعمل ما. وأقول لإبراهيم شكرا لك وقد نتفق..!.
binsaudb@ yahoo.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 107 مسافة ثم الرسالة
الصحافي يحتاج إلى التعامل بحذر وحساسية ولطف مع من فقدوا عزيزين عليهم، وأن يحافظ على هدوئه وتماسك أعصابه ولا يضحك أو «يتفلسف»، والملفت في هذا الموضوع أن أخبار الحوادث وبالذات إذا كانت فيها وفيات، تخضع لاجتهادات الصحافي وتقديره الشخصي للموقف، ولا توجد معايير أو ضوابط أخلاقية لا في الشرق ولا في الغرب، تنظم العملية وتوضح الممنوع والمسموح فيها، ولكن الاختلاف أن الغربيين يهتمون بتسجيل شهادات أقارب ومعارف المتوفين في حوادث مرورية أو كوارث، بل ويقومون بهذا ودماؤهم مازالت ساخنة، وفي المملكة المتحدة على سبيل المثال، وطبقا لقانون صدر في سنة 1999، يجب على الصحافيين في بريطانيا إعطاء هذه الأخبـار حقها من العناية، بل واعتبارها جزءا أساسيا من مهامهم، والاحتمال قائم بأن يترتب على تجاهلها مساءلة قانونية.
إلا أن هؤلاء الصحافيين قد يجدون أنفسهم في مواجهة منفردة مع الحدث، خصوصا إذا كان من نوعية الأحداث التي لا يصاحبها حضور إعلامي مكثف، وهنا يتورط الصحافي وقد يتصرف بتلقائية أو لا يعالج الظرف الإنساني الحساس بأدوات مناسبة، أو قد يقرأ ردود أفعال من يقابلهم بشكل خاطيء، أو لا يعرف من أين يبدأ وإلى أين يتجه، وكتبت جاكي كاميرون (2007) بأن المبتدئين منهم تحديدا يحرصون على سمعتهم أمام زملائهم، ويحاولون قدر الإمكان عدم الاستعانة بهم أو الاستفادة من خبراتهم، وأنهم قد يبالغون في الارتجال وتحييد العواطف، وأحيـانا في مناسبات يفترض أن تكون العاطفة حاضرة فيها ولو بدرجة بسيطة، وأخبار الوفيات ينسحب عليها الكلام السابق، وآمل أن لا نفهم بأن حس المبادرة والفضول والتطفل، أمور مرفوضة صحافيا، لأن غالبيـة الأعمال الصحافية الناجحة جماهيريا، أو بعبارة ثانية، التغطيات المحركة للرأي العام والمستقرة في ذاكرة القراء والمشاهدين تقوم عليها أصلا، أيضا نسبة لا بأس بها من الناس يرون في الإعلام وسيلة مثالية لإيصال مآثر وفضائل فقيدهم للآخرين، كما أنه يسهم كذلك في التخفيف عنهم وإشعارهم بالمشاركة الوجدانية والتعاطف، وبعضهم يحتفظ بقصاصات من المواد المنشورة، أو يؤرشفها في البومات أو ملصقات أو «يبروزها».
إذن ينبغى ألا تصدر «تكليفات» للصحافيين إلا بعد فهم كامل لملابسات أي حدث، وبعد اتخاذ قرار تحريري دقيق يبين أسلوب التعامل معه، وألا يترك المجال لتقديرات الصحافي وشطحاته، وفي الحالة السعودية، يمكن تدوين هذه القرارات التحريـرية، ومعها التجارب المفيدة للصحافيين المحضـرين، ومن ثم العودة إليها أو الاسترشاد بها في التغطيات المقاربة، وبطريقة تشبه نسبيا قواعد السلوك أو الممارسة الصحافية في بريطانيا.
*******
قبل ثلاثة أسابيع أرسل صديق الزاوية إبراهيم آل زيـد، تعليقا الكترونيا على مقالة «يوتيوب والوطن» اختار له عنوان «الوطـن اتفـاق واختـلاف» وقال فيـه بتصرف: بعيدا عن «الوطن» ولماذا تتصدر المواقع في عدد المعلقين، أو أنها حققت تطلعات المواطن وطرحت القضايا بعدالة وحرية، رغم صوت المعارضة من هنا وهناك، فقد وصلت إلى مستوى الشعور باليأس من احتمال تقديم الإعلام لعمل مؤسسي ممنهج يكشف مناطق الظل، بدون إثارة أو ركض وراء مكاسب مادية، ولن أخوض في نوايا أحد، ولكن الكشف عند «جميع» الصحافيين ارتبط بـ «السبق الصحافي» وبالأرباح المؤسسية للصحافة المطبـوعة أو الأجهزة الإعلامية، وليس للدفاع عن قضية طفلة انتهكت إنسانيتها، أو امـرأة تنام ولا تدري من يلتحف «حجابها» من أطفالها، للأسف لم ندرك حتى الآن على المستوى الإعلامي والثقافي رسالة الصحافة، وقادتنا المكاسب الصحافية إلى مساحات من الفخر بالمنجز، دون النظر إلى تأثيراته على أرض الواقع، وكان أن تنازلت الصحافة عن وظيفتها لتتجاذبها تيارات في معركة بلا راية، ثم يدفع المجتمع ثمن هذه المهاترات الورقية، بدل أن يصحو على قضية نشرت واستفزت مسؤولا لعمل ما. وأقول لإبراهيم شكرا لك وقد نتفق..!.
binsaudb@ yahoo.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 107 مسافة ثم الرسالة
كتاب ومقالات









