الميزانية والميزان 2
لايمكن الحديث عن الميزانية العامة للدولة بوجه عام بمعزل عن الأبعاد الاقتصادية / الاجتماعية / السياسية والتي تجسدها إلى حد كبير المشاريع والخطط الاستراتيجية ( خطط التنمية ) التي تغطيها. من هذه الزاوية، الميزانية هي إحدى الأدوات ( المالية والتنظيمية ) المهمة لتجسيد خطط التنمية المستدامة في مضمونها الواسع. انطلاقا من هذا الطرح فإن الموازنة العامة للدولة تمثل تجسيدا وتحقيقا للرقابة التشريعية والرقابة المالية والإدارية، وهي إذ تعتبر وثيقة سياسية وقانونية واجتماعية تتضمن بالتالي دورا مهما للمشاركة الشعبية من خلال المجالس التشريعية ومؤسسات المجتمع المدني وأجهزة الإعلام من منطلق أن الإنسان والمجتمع هما هدف التنمية وأداتها في الآن معا. إننا لم نعد واحة معزولة عن العالم، نحن نعيش برضانا أو مرغمين العولمة بكل ما تحتويه من عمليات معقدة ومتناقضة في محتواها ومظاهرها. هذا الطور من التطور العالمي يتسم بالنزوع المتسارع لعولمة الإنتاج والتبادل والتجارة والمال في ظل الثورة العلمية / المعلوماتية / الاتصالية، وشيوع نسق وقيم ومفاهيم حضارية كونية مشتركة على غرار الديمقراطية والتعددية والشفافية وحقوق الإنسان ( لم يعد بالإمكان تجاهلها ) باتت ضاغطة وملزمة للجميع، ناهيك عن ما تفرزه العولمة من استقطاب وتباين حاد بين دول المركز ودول الأطراف، وهو ما يستدعي من الدول النامية ومن ضمنها بلادنا العمل لتقليل المخاطر والآثار السلبية، والسعي ما أمكن للاستفادة من المزايا النسبية التي تتضمنها، خصوصا أن المملكة باتت عضوا مهما في منظمة التجارة العالمية.
هناك العديد من القضايا الرئيسية الجدية العالقة ( التي لا تزال عصية على الحل لأسباب وعوامل مختلفة ) في بلادنا لم تستطع الموازنات السنوية وخطط التنمية المتتالية إيجاد حلول ناجعة لها حتى الآن. وذلك لايعني بتاتا إغفال أو تجاهل ما تحقق من منجزات حقيقية على مدى العقود الماضية على صعيد التنمية وقطاع الخدمات والموارد البشرية والمشروعات الاجتماعية، وقد أسهمت الإيرادات النفطية بدور رئيسي في ذلك، خصوصا إثر الصدمة النفطية الأولى في سنة 1973م، (إثر حرب أكتوبر وموقف المملكة التاريخي في وقف ضخ البترول) وبلغت الإيرادات ذروتها في سنة 1981م حيث قدرت إيرادات الدولة في تلك السنة بـ 372 بليون ريال وبلغت نسبة النمو الاقتصادي في المتوسط حوالى 15 في المائة سنويا، ومع تعداد السكان البالغ حوالى 9.6 ملايين نسمة في سنة 1980م، فإن متوسط نصيب الفرد من الدخل الإجمالي بلغ حوالى 137 ألف ريال في السنة المذكورة، وهو ما كان يعتبر من أعلى المعدلات في العالم (خارج نطاق الدول الصناعية الكبرى).. لقد ركزت الخطط التنموية المتتالية على ثلاث مهام أساسية هي بناء وتطوير البنية التحتية، وتنمية الموارد البشرية، وتنويع مصادر الدخل. ومع أنه تحققت منجزات مهمة على صعيد تحقيق هذه المحاور الاستراتيجية غير أن الطابع العام للتركيبة الاقتصادية ظل معتمدا ومستندا إلى القطاع النفطي ضمن سياقات وقوانين السوق العالمية (العرض والطلب) وتذبذباتها وتأثير العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمناخية التي تؤثر بصورة واضحة في تذبذب أسعار البترول صعودا وهبوطا وهو ما حدث في سنة 1998 حيث وصل سعر البرميل إلى أقل من (10) دولارات وانعكس ذلك في تفاقم العجز في الموازنات العامة (قدر العجز في ميزانية المملكة في سنة 1998م، بـ 45 مليار ريال) لسنوات عدة، كما تزايد الدين العام الذي وصل إلى 625 مليار ريال متخطيا بذلك حجم الناتج المحلي الإجمالي مما أثر بشدة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية بما في ذلك دخل الفرد السعودي الذي تراجع إلى 32 ألف ريال في السنة.
وقد شهدنا في مطلع السنة المنصرمة ( 2009 ) وضعا مشابها على صعيد التذبذب الحاد لأسعار النفط حين هوى سعر برميل النفط إلى 34 دولارا وهو أدنى مستوى له خلال خمس سنوات بعد أن وصل إلى ذروته في يوليو 2007 حين لامس 147 دولارا للبرميل، غير أنه عاد مجددا إلى الارتفاع ليستقر ما بين 70 و 80 دولارا وهو السعر الذي اعتبره خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز عادلا ومنصفا للمنتجين والمستهلكين معا.. التذبذبات الحادة في أسعار البترول والتي هي إحدى إفرازات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أثرت بشكل حاد على الناتج المحلي الإجمالي والإيرادات العامة للدولة كما هو واضح في الإعلان عن عجز الموازنة العامة للسنة الثانية على التوالي حيث قدر العجز ( الافتراضي ) في الموازنة الجديدة ( 2010 ) بـ (70) مليار ريال، كما شمل التراجع الميزان التجاري، والحساب الجاري.. التحدي الكبير يتمثل أنه في ظل هذه الظروف الاقتصادية العالمية والمحلية الصعبة تعلن الدولة أضخم موازنة في تاريخها على الإطلاق بإنفاق 540 مليار ريال مستندة في ذلك إلى فائض تراكمي منذ سنة 2003 تجاوز 1350 مليار ريال.
هذه الأوضاع والتحديات تتطلب مراجعة شاملة لمختلف جوانب العملية التنموية بأبعادها المختلفة وهو ما يستوجب مشاركة القطاع العام والقطاع الخاص وكافة الفعاليات والهيئات الرسمية والشعبية في رسم استراتيجية تنموية شاملة تأخذ بعين الاعتبار جميع المعطيات وعوامل القوة والضعف على حد سواء. إن تطوير وتنويع القاعدة الاقتصادية يتطلب زيادة الإنفاق الاستثماري على المشروعات الإنتاجية (صناعة، زراعة، خدمات) والبنية التحتية ومجالات البحث العلمي/ التقني وتطوير الموارد البشرية. إن إنجاز مجمع بترو رابغ العملاق وافتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية يمثلان خطوة مهمة ورائدة على هذا الصعيد.
من المهم الحفاظ على جدوى وفاعلية قطاع الدولة الأمر الذي يتطلب تطوير الإدارة والموارد البشرية والإنتاجية والعمل على إزالة المعوقات الإدارية والبيروقراطية ومكافحة الفساد والتسيب المالي والإداري وإقرار مبدأ العدالة والمساواة بين المواطنين وتطوير وسن قوانين وأنظمة جديدة للعمل الإداري والوظيفي واستخدام نظام الحوافز والمكافآت بغرض رفع مستوى الإنتاجية وتشجيع العاملين، إضافة إلى دعم القطاع المختلط، وتقديم الحوافز للقطاع الخاص (المحلي والأجنبي) وتشجيع عودة الرساميل السعودية المهاجرة والتي تقدر بحوالى ثلاثة تريليون ريال ( 800 مليار دولار ) مما يتعين تطوير الأنظمة والتشريعات وإزالة المعوقات والعراقيل البيروقراطية من أنظمة وإجراءات عتيقة.. وللحديث صلة.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 147 مسافة ثم الرسالة
هناك العديد من القضايا الرئيسية الجدية العالقة ( التي لا تزال عصية على الحل لأسباب وعوامل مختلفة ) في بلادنا لم تستطع الموازنات السنوية وخطط التنمية المتتالية إيجاد حلول ناجعة لها حتى الآن. وذلك لايعني بتاتا إغفال أو تجاهل ما تحقق من منجزات حقيقية على مدى العقود الماضية على صعيد التنمية وقطاع الخدمات والموارد البشرية والمشروعات الاجتماعية، وقد أسهمت الإيرادات النفطية بدور رئيسي في ذلك، خصوصا إثر الصدمة النفطية الأولى في سنة 1973م، (إثر حرب أكتوبر وموقف المملكة التاريخي في وقف ضخ البترول) وبلغت الإيرادات ذروتها في سنة 1981م حيث قدرت إيرادات الدولة في تلك السنة بـ 372 بليون ريال وبلغت نسبة النمو الاقتصادي في المتوسط حوالى 15 في المائة سنويا، ومع تعداد السكان البالغ حوالى 9.6 ملايين نسمة في سنة 1980م، فإن متوسط نصيب الفرد من الدخل الإجمالي بلغ حوالى 137 ألف ريال في السنة المذكورة، وهو ما كان يعتبر من أعلى المعدلات في العالم (خارج نطاق الدول الصناعية الكبرى).. لقد ركزت الخطط التنموية المتتالية على ثلاث مهام أساسية هي بناء وتطوير البنية التحتية، وتنمية الموارد البشرية، وتنويع مصادر الدخل. ومع أنه تحققت منجزات مهمة على صعيد تحقيق هذه المحاور الاستراتيجية غير أن الطابع العام للتركيبة الاقتصادية ظل معتمدا ومستندا إلى القطاع النفطي ضمن سياقات وقوانين السوق العالمية (العرض والطلب) وتذبذباتها وتأثير العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمناخية التي تؤثر بصورة واضحة في تذبذب أسعار البترول صعودا وهبوطا وهو ما حدث في سنة 1998 حيث وصل سعر البرميل إلى أقل من (10) دولارات وانعكس ذلك في تفاقم العجز في الموازنات العامة (قدر العجز في ميزانية المملكة في سنة 1998م، بـ 45 مليار ريال) لسنوات عدة، كما تزايد الدين العام الذي وصل إلى 625 مليار ريال متخطيا بذلك حجم الناتج المحلي الإجمالي مما أثر بشدة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية بما في ذلك دخل الفرد السعودي الذي تراجع إلى 32 ألف ريال في السنة.
وقد شهدنا في مطلع السنة المنصرمة ( 2009 ) وضعا مشابها على صعيد التذبذب الحاد لأسعار النفط حين هوى سعر برميل النفط إلى 34 دولارا وهو أدنى مستوى له خلال خمس سنوات بعد أن وصل إلى ذروته في يوليو 2007 حين لامس 147 دولارا للبرميل، غير أنه عاد مجددا إلى الارتفاع ليستقر ما بين 70 و 80 دولارا وهو السعر الذي اعتبره خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز عادلا ومنصفا للمنتجين والمستهلكين معا.. التذبذبات الحادة في أسعار البترول والتي هي إحدى إفرازات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أثرت بشكل حاد على الناتج المحلي الإجمالي والإيرادات العامة للدولة كما هو واضح في الإعلان عن عجز الموازنة العامة للسنة الثانية على التوالي حيث قدر العجز ( الافتراضي ) في الموازنة الجديدة ( 2010 ) بـ (70) مليار ريال، كما شمل التراجع الميزان التجاري، والحساب الجاري.. التحدي الكبير يتمثل أنه في ظل هذه الظروف الاقتصادية العالمية والمحلية الصعبة تعلن الدولة أضخم موازنة في تاريخها على الإطلاق بإنفاق 540 مليار ريال مستندة في ذلك إلى فائض تراكمي منذ سنة 2003 تجاوز 1350 مليار ريال.
هذه الأوضاع والتحديات تتطلب مراجعة شاملة لمختلف جوانب العملية التنموية بأبعادها المختلفة وهو ما يستوجب مشاركة القطاع العام والقطاع الخاص وكافة الفعاليات والهيئات الرسمية والشعبية في رسم استراتيجية تنموية شاملة تأخذ بعين الاعتبار جميع المعطيات وعوامل القوة والضعف على حد سواء. إن تطوير وتنويع القاعدة الاقتصادية يتطلب زيادة الإنفاق الاستثماري على المشروعات الإنتاجية (صناعة، زراعة، خدمات) والبنية التحتية ومجالات البحث العلمي/ التقني وتطوير الموارد البشرية. إن إنجاز مجمع بترو رابغ العملاق وافتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية يمثلان خطوة مهمة ورائدة على هذا الصعيد.
من المهم الحفاظ على جدوى وفاعلية قطاع الدولة الأمر الذي يتطلب تطوير الإدارة والموارد البشرية والإنتاجية والعمل على إزالة المعوقات الإدارية والبيروقراطية ومكافحة الفساد والتسيب المالي والإداري وإقرار مبدأ العدالة والمساواة بين المواطنين وتطوير وسن قوانين وأنظمة جديدة للعمل الإداري والوظيفي واستخدام نظام الحوافز والمكافآت بغرض رفع مستوى الإنتاجية وتشجيع العاملين، إضافة إلى دعم القطاع المختلط، وتقديم الحوافز للقطاع الخاص (المحلي والأجنبي) وتشجيع عودة الرساميل السعودية المهاجرة والتي تقدر بحوالى ثلاثة تريليون ريال ( 800 مليار دولار ) مما يتعين تطوير الأنظمة والتشريعات وإزالة المعوقات والعراقيل البيروقراطية من أنظمة وإجراءات عتيقة.. وللحديث صلة.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 147 مسافة ثم الرسالة
كتاب ومقالات









