المسألة الأمنية وإشكالية التواصل الحضاري مع الآخرين

أ. د. صالح عبدالرحمن المانع

لا شك في أن الأعمال الإرهابية التي تقوم بها بعض الجماعات المسلحة، ومنها تنظيم القاعدة، بحق الإسلام والمسلمين يسيء ويشوه صورة هذا الدين في العالم أجمع، ويسيء إلى إخوانهم في العقيدة، ويؤثر على قبول المسلمين في معظم المجتمعات الغربية والشرقية.
والدين الإسلامي دين تسامح ومحبة، ولا يؤمن بالعنف إلا في أضيق الأحوال، وفي حال الدفاع عن النفس. وحين جاء الإسلام حاول أن يجعل من مسألة الحرب والتعامل مع الأعداء مسألة أخلاقية وقانونية، وحرم المساس أو التعرض لغير المقاتلين، كما حرم التعرض للنساء والشيوخ والأطفال ولرجال الدين والقساوسة والرهبان من أتباع الديانات الأخرى. وحرم كذلك اللجوء إلى أي نوع من أنواع أسلحة الدمار الشامل التي تحرق الحرث والنسل، دون تمييز.
واليوم ونحن نرى كيف يلجأ المحاربون في بعض البلدان الإسلامية إلى جز رؤوس من يحتجزونه من الرهائن من المدنيين الأجانب، وكيف يحرقون جثث أعدائهم بعد قتلهم، تهتز أبداننا وتقشعر أفئدتنا استنكارا لهذه الأعمال القبيحة واللا إنسانية المستهجنة، والتي تجعل من فاعليها أفرادا وجماعات خارجة عن الدين والملة، وعن تعاليم الرحمة التي أتى بها نبي الرحمة والأخلاق، محمد صلى الله عليه وسلم.
ولا يعرف هؤلاء القتلة، أنهم بأفعالهم هذه يرسمون صورة قاتمة للدين الإسلامي، ويعرضون أبناء المسلمين للاشتباه والتحرش، وربما حتى الاعتداء الجسدي. ولقد عانى العالم الإسلامي، وعانت الدعوة الإسلامية في الخارج الكثير من التراجع والعنف والتحيز والإقصاء في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومرت سنوات كثيرة قبل أن تخفف الإجراءات بحق المسافرين والدارسين من أبناء الدول العربية والإسلامية في البلدان الغربية.
وفي أعقاب محاولة أحد منسوبي حركة تنظيم القاعدة تفجير طائرة مدنية في سماء مدينة ديترويت في الأسبوع الماضي، وإن كانت محاولة فاشلة، إلا أنها جعلت من السلطات المدنية وسلطات المطارات تزيد من التفتيش، وتعرض الكثيرون من أبناء الدول العربية والإسلامية إلى إجراءات غير اعتيادية. وكان من بين هؤلاء المسافرين طلاب يتعلمون في الجامعات الأمريكية، حيث تناقلت الأخبار أخيرا أن أحد طلاب الدكتوراه السعوديين العائد من إجازة في بلده إلى جامعة الأمريكية، عبر أحد المطارات الأوروبية، اضطر إلى العودة أدراجه إلى أهله، بعد احتجازه لمدة ستة أيام في المطار الأوروبي، بناء على اشتباه غير صحيح.
والحقيقة أن المسافرين السعوديين، وغيرهم من مواطني الدول العربية والإسلامية، قد تعرضوا لإشكالات عميقة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وكانت هذه الإشكالات مرتبطة بالتأشيرات. وقد سعت حكومة المملكة ووزارة خارجيتها إلى العمل الدبلوماسي الدؤوب للتخفيف من هذه الإجراءات، وتحققت بعض النجاحات، ما ساهم في ابتعاث أعداد كبيرة من الطلاب للدراسات الجامعية والعليا في الجامعات الأمريكية، بلغ تعدادهم اليوم حوالى ثلاثين ألف مبتعث.
ولا شك في أن الإجراءات الأخيرة بحق المسافرين السعوديين في المطارات الأوروبية، والمتجهين منها إلى الولايات المتحدة ستشهد مزيدا من التعقيد والمضايقات، خاصة كون هؤلاء الطلاب يمرون عبر تلك المطارات، على شكل تزانزيت، وهم منهكون من رحلة ليلية من مطارات بلادهم، ليواصلوا رحلتهم المتوجهة إلى الولايات المتحدة في اليوم التالي.
والمملكة تبذل الكثير من أجل تعليم أبنائها في أفضل الجامعات الأمريكية، وتصرف عليهم بسخاء وتهيء لهم جميع أسباب الراحة والأمان والاستقرار النفسي والعلاج الطبي أثناء تواجدهم على الأراضي الأمريكية. وقد نجحت مساعيها الدبلوماسية في الماضي في تخفيف إجراءات الحصول على تأشيرة الدراسة والزيارة. واليوم وحين يتعرض بعض من هؤلاء الطلاب إلى التضييق عليهم في المطارات الدولية، وصولا في بعض الأحيان إلى منعهم من التوجه إلى مقار دراستهم، فإن ذلك بلا شك سيؤثر في قدرة هؤلاء الطلاب على استكمال تعليمهم الجامعي، والعودة إلى بلادهم ليعملوا جنبا إلى جنب مع زملائهم من جنسيات متعددة في بناء الوطن، وتقديم الخدمات الضرورية لمواطنيهم.
وكانت الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية تخشى في الماضي من بقاء هؤلاء الطلاب بعد تخرجهم ومحاولة الحصول على أعمال في بلدانهم المستضيفة، مضايقين في الوقت نفسه أبناء تلك البلدان وخريجيها من الحصول على تلك الوظائف. ولكن التجربة الفعلية، وطوال ستين سنة من التواصل الثقافي والدراسة الجامعية للطلاب السعوديين في الولايات المتحدة، أثبتت أن غالبية، إن لم نقل جميع الخريجين السعوديين يعودون إلى بلادهم بعد تخرجهم للمساهمة في رفعة شأنها، وتنميتها، والعمل في جامعاتها ومؤسساتها الحكومية والخاصة.
وحيث نجحت الدبلوماسية السعودية في الماضي من احتواء التداعيات السلبية على الطلاب المبتعثين، وطالبي العلاج الطبي، والسياح وغيرهم، فإن المطلوب اليوم أن نبدأ حملة دبلوماسية مكثفة لتخفيف الأعباء المحتملة لمثل هذه القرارات الأمنية، إن لم يكن إلغاؤها بحق المسافرين السعوديين.
ولا شك في أن للحكومة الأمريكية كامل الحق في حماية مواطنيها ومؤسساتها وطائراتها من الخطر الأمني الذي تمثله القاعدة، ولكن يجب أن لا تؤثر هذه الإجراءات في قدرة الطلاب والسياح والمسافرين للعلاج من الوصول إلى مقار دراستهم، أو مقار علاجهم، أو أعمالهم.
ومما لا شك فيه، أن تجربة وضع الحواجز أمام المسافرين خلال الأعوام العشرة الماضية قد أثرت في قدرة أبناء الشعب السعودي على التواصل مع الشعب الأمريكي، سواء في مجالات التعليم أو العمل أو التجارة أو الاستثمار.
وقد اضطر العديد من الطلاب السعوديين في فترة من الفترات إلى التحول إلى جامعات أخرى بديلة، كما اضطر العديد من التجار والمستوردين والمستثمرين إلى التحول إلى الأسواق والمصانع الشرقية في آسيا للحصول على ما يحتاجونه من سلع وخدمات، ولاستثمار مدخراتهم في مشاريع صناعية في تلك الدول، بعد أن كانوا ولسنين طويلة يفضلون التعامل مع شركات ومصانع ووكلاء تصدير أمريكيين.
والجميع يتفهم الدواعي الأمنية لمثل هذه القرارات، ولكن يجب أن يتم إيجاد توازن بين الإشكاليات الأمنية، وبين قدرة الأفراد والمجتمعات على التواصل الإيجابي، فتطوير مثل هذا التواصل ستكون له آثار إيجابية لفترة طويلة على كلا الشعبين.




للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 119 مسافة ثم الرسالة