أصحاب الأخاديد
وصلتني الرسالة التالية من صديقي العزيز الذي يراسلني دائماً في المناسبات الكبيرة فقط، مثل بداية كل عام هجري أو ميلادي مثلا، أو عند تساقط الأمطار بشكل كثيف، أو خسوف القمر أو كسوف الشمس.
هذا الصديق ليس بشخص وهمي، بل هو حقيقي، بلحمه ودمه، وإحساسه المرهف. أؤكد للقراء أنه شخص موجود في هذا العالم، مثلي ومثلهم تماماً، يفكر ويغضب ويفرح، ويحلم ويسرح بخياله خارج حدود عالمنا هذا، ويحب قراءة وكتابة الشعر والرسم مثلي تماماً، ولكنه لا يحب الأضواء، بل عادة ما يقول كلمته على استعجال وببلاغة، ثم يختفي سريعاً دون أن ينتظر تعليقاً أو إجابة أو حتى قبل أن يرى تأثير كلماته على نفسية الآخرين، مثلي تماماً.
إلى القارئ العزيز ما وصلني منه، بلا تحريف؛
** أصحاب الأخدود **
(ليس المقصود بـ «أصحاب الأخدود» هنا أولئك الحفنة من الكفار الذين حفروا الأخدود ليحرقوا فيه بعض المؤمنين، بل المقصود أولئك الذين يحفرون الأخاديد تلو الأخاديد، في عصرنا الحاضر، ليحرقوا فيها أموال البلد، وأموال الناس وراحتهم وراحة بالهم).
حدّثنا أبو العريف، الرجل الظريف، ذو الحديث الطريف، وقد التمعت عيناه، وهو يوضح لنا فحوى حديثه ومعناه، تارة بالإشارة، وأخرى بصريح العبارة، ونحن نتشاغل عنه ما استطعنا، وندعي أن ليس لحديثه معنى، فأبو العريف ظاهرة مكرورة، ومجتمعاتنا تنوء بأمثاله وترزح، ولا توسع له في المجلس أي مطرح.
قال لا فض فوه، متفضلا على من عرفوه، ومفصلا لأحداث الساعة، وما ينفع الفرد والجماعة:
لقد ذكر القرآن الحكيم، وبكلام البصير العليم، الذي لا يخفى على علمه شيء في الأرض ولا في السماء، أصحاب الأخدود الأشقياء، فقال «قتل أصحاب الأخدود» صدق الله العظيم، ورسوله الكريم.
قال أبو العريف مستخلصاً العبرة، وقد رأى في أعيننا العبرة، وعلم أنه أمسك بانتباهنا بكلتا يديه، وأصبحنا غصباً ننصت له ونقبل عليه، فليس أصدق من القرآن، ولا أعمق منه في التوضيح والبيان:
«تقوم الهندسة في بلدياتنا العزيزة، على أفكار مهندسين فطاحل، يخططون بالمراود والمكاحل، على ورق البنكنوت، خططاً لا تموت، نتائجها مضمونة، وطويلة الأمد ومصونة، ولا يقتصر تخطيطهم على وضع أسس البناء، والمخططات المسفلتة المنارة، وتضييق الشارع والحارة، وحذف الأرصفة فهي تضايق السيارة، و«The hell with» المارة، كما تؤكد في المشاريع على المواقف، ولا عجب في ذلك، فالإنسان «مواقف»! وكان نتيجة إصرارها البطولي، وتحققها من التزام الكل بعمل المواقف الأصولي، أن أدى ذلك إلى مدن مكتظة بالسيارات، ليس في الشوارع فقط وإنما أيضاً في الحارات، حيث تقف سيارة ملاصقة للرصيف إن وجد، وأخرى بجوارها، والثالثة جوارها، حتى يستحيل مرور «البسكليتات».
وأثناء انشغال البلدية، عافانا الله من البلاء والأذية، قرر المهندسون البارعون، والمخططوط النطاسيون، أن يبنوا مدننا بالعكس، أي من فوق إلى تحت، وليس من تحت إلى فوق، إذا سمحت، حتى يستطيعوا بيع المخططات، وقبض «القريشات» و «البخشيشات»، والإسراع في بناء الناطحات، وزيادة المسطحات، وضربوا بعرض الحائط بالنظريات، والعلوم النافعات، التي تقرر ضرورة البدء بالبنية التحتية، قبل البدء بعمل البنية «الفوقية»، وانظر إلى مدن العالم القديم والجديد، بدءاً من بنين في أفريقيا إلى باب الحديد. فبناء المدن يبدأ بعمل التخطيط الأسفل، وهو ما تدعوه البشرية: «البنية التحية»، فتمد مواسير صرف الأمطار والبيوت، وكابلات الكهرباء وشبكة العنكبوت، والهاتف والتغذية بالماء العذب القراح، فتريح الناس وترتاح.
ولقد تفتق ذهن مهندسي بلدياتنا الفاضلة، عن حلول هائلة، فالماء يورد بالسكسات، ولا علاقة لهذا بالجنس، فإن كل «صهريج» على ستة عجلات هو سكس، والصرف ينزح بالشفط، وهو ما يشبه شفط «البيبسي» بـ «الشلمون»، فترى هذه وتلك غادين رائحين، يزاحمون السيارات والمارة، ويضيفون الروائح إلى الأجواء الحارة، مما يساهم في معدلات «الربو» وضيق التنفس وداء الكبد الوبائي، فيستفيد بذلك القطاع الطبي والوقائي.
أما التمديدات فقد كانت الفكرة بسيطة: «نحفر الأخاديد»، فهذا الأخدود للتغذية بالماء الذي ينقطع، وهذا الأخدود بعد شهر من انتهاء وطمر الأخدود الأول لكابل الكهرباء، ثم بعد شهر آخر أخدود آخر لكابل آخر، ثم يعد سنة أخاديد لشبكة مجار وهمية، وأخرى لتمديدات مستقبلية، والأخدود يتلو الأخدود، والشوارع تمتلئ بالأخاديد، حتى أصبحت كوجه العجوز الشمطاء، في الليلة الظلماء، لا ترى منه سوى القبح والدمامة، والسوء والقتامة.
وفي كل أخدود «تطمر» أموال المواطنين، وتؤكل على موائد المقتسمين، من مهندس ومقاول وسمسار ومعين، والأخاديد تترى وتتكرر، ولا ينظر المقتسمون إلى ما وعد به الله وكرر: «قتل أصحاب الأخدود».
قال أبو العريف، وقد تحول شخصاً آخر، مملوءاً بالعبرات والعبر، فلنكرر معاً أيها البشر «قتل أصحاب الأخاديد، وجعل موعدهم أكبالا من النار والحديد، في دار الخلود».
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 129 مسافة ثم الرسالة
هذا الصديق ليس بشخص وهمي، بل هو حقيقي، بلحمه ودمه، وإحساسه المرهف. أؤكد للقراء أنه شخص موجود في هذا العالم، مثلي ومثلهم تماماً، يفكر ويغضب ويفرح، ويحلم ويسرح بخياله خارج حدود عالمنا هذا، ويحب قراءة وكتابة الشعر والرسم مثلي تماماً، ولكنه لا يحب الأضواء، بل عادة ما يقول كلمته على استعجال وببلاغة، ثم يختفي سريعاً دون أن ينتظر تعليقاً أو إجابة أو حتى قبل أن يرى تأثير كلماته على نفسية الآخرين، مثلي تماماً.
إلى القارئ العزيز ما وصلني منه، بلا تحريف؛
** أصحاب الأخدود **
(ليس المقصود بـ «أصحاب الأخدود» هنا أولئك الحفنة من الكفار الذين حفروا الأخدود ليحرقوا فيه بعض المؤمنين، بل المقصود أولئك الذين يحفرون الأخاديد تلو الأخاديد، في عصرنا الحاضر، ليحرقوا فيها أموال البلد، وأموال الناس وراحتهم وراحة بالهم).
حدّثنا أبو العريف، الرجل الظريف، ذو الحديث الطريف، وقد التمعت عيناه، وهو يوضح لنا فحوى حديثه ومعناه، تارة بالإشارة، وأخرى بصريح العبارة، ونحن نتشاغل عنه ما استطعنا، وندعي أن ليس لحديثه معنى، فأبو العريف ظاهرة مكرورة، ومجتمعاتنا تنوء بأمثاله وترزح، ولا توسع له في المجلس أي مطرح.
قال لا فض فوه، متفضلا على من عرفوه، ومفصلا لأحداث الساعة، وما ينفع الفرد والجماعة:
لقد ذكر القرآن الحكيم، وبكلام البصير العليم، الذي لا يخفى على علمه شيء في الأرض ولا في السماء، أصحاب الأخدود الأشقياء، فقال «قتل أصحاب الأخدود» صدق الله العظيم، ورسوله الكريم.
قال أبو العريف مستخلصاً العبرة، وقد رأى في أعيننا العبرة، وعلم أنه أمسك بانتباهنا بكلتا يديه، وأصبحنا غصباً ننصت له ونقبل عليه، فليس أصدق من القرآن، ولا أعمق منه في التوضيح والبيان:
«تقوم الهندسة في بلدياتنا العزيزة، على أفكار مهندسين فطاحل، يخططون بالمراود والمكاحل، على ورق البنكنوت، خططاً لا تموت، نتائجها مضمونة، وطويلة الأمد ومصونة، ولا يقتصر تخطيطهم على وضع أسس البناء، والمخططات المسفلتة المنارة، وتضييق الشارع والحارة، وحذف الأرصفة فهي تضايق السيارة، و«The hell with» المارة، كما تؤكد في المشاريع على المواقف، ولا عجب في ذلك، فالإنسان «مواقف»! وكان نتيجة إصرارها البطولي، وتحققها من التزام الكل بعمل المواقف الأصولي، أن أدى ذلك إلى مدن مكتظة بالسيارات، ليس في الشوارع فقط وإنما أيضاً في الحارات، حيث تقف سيارة ملاصقة للرصيف إن وجد، وأخرى بجوارها، والثالثة جوارها، حتى يستحيل مرور «البسكليتات».
وأثناء انشغال البلدية، عافانا الله من البلاء والأذية، قرر المهندسون البارعون، والمخططوط النطاسيون، أن يبنوا مدننا بالعكس، أي من فوق إلى تحت، وليس من تحت إلى فوق، إذا سمحت، حتى يستطيعوا بيع المخططات، وقبض «القريشات» و «البخشيشات»، والإسراع في بناء الناطحات، وزيادة المسطحات، وضربوا بعرض الحائط بالنظريات، والعلوم النافعات، التي تقرر ضرورة البدء بالبنية التحتية، قبل البدء بعمل البنية «الفوقية»، وانظر إلى مدن العالم القديم والجديد، بدءاً من بنين في أفريقيا إلى باب الحديد. فبناء المدن يبدأ بعمل التخطيط الأسفل، وهو ما تدعوه البشرية: «البنية التحية»، فتمد مواسير صرف الأمطار والبيوت، وكابلات الكهرباء وشبكة العنكبوت، والهاتف والتغذية بالماء العذب القراح، فتريح الناس وترتاح.
ولقد تفتق ذهن مهندسي بلدياتنا الفاضلة، عن حلول هائلة، فالماء يورد بالسكسات، ولا علاقة لهذا بالجنس، فإن كل «صهريج» على ستة عجلات هو سكس، والصرف ينزح بالشفط، وهو ما يشبه شفط «البيبسي» بـ «الشلمون»، فترى هذه وتلك غادين رائحين، يزاحمون السيارات والمارة، ويضيفون الروائح إلى الأجواء الحارة، مما يساهم في معدلات «الربو» وضيق التنفس وداء الكبد الوبائي، فيستفيد بذلك القطاع الطبي والوقائي.
أما التمديدات فقد كانت الفكرة بسيطة: «نحفر الأخاديد»، فهذا الأخدود للتغذية بالماء الذي ينقطع، وهذا الأخدود بعد شهر من انتهاء وطمر الأخدود الأول لكابل الكهرباء، ثم بعد شهر آخر أخدود آخر لكابل آخر، ثم يعد سنة أخاديد لشبكة مجار وهمية، وأخرى لتمديدات مستقبلية، والأخدود يتلو الأخدود، والشوارع تمتلئ بالأخاديد، حتى أصبحت كوجه العجوز الشمطاء، في الليلة الظلماء، لا ترى منه سوى القبح والدمامة، والسوء والقتامة.
وفي كل أخدود «تطمر» أموال المواطنين، وتؤكل على موائد المقتسمين، من مهندس ومقاول وسمسار ومعين، والأخاديد تترى وتتكرر، ولا ينظر المقتسمون إلى ما وعد به الله وكرر: «قتل أصحاب الأخدود».
قال أبو العريف، وقد تحول شخصاً آخر، مملوءاً بالعبرات والعبر، فلنكرر معاً أيها البشر «قتل أصحاب الأخاديد، وجعل موعدهم أكبالا من النار والحديد، في دار الخلود».
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 129 مسافة ثم الرسالة
كتاب ومقالات









