في البدء أقول: اللهم ارحم موتانا في جدة، وأغفر لهم جميعا، وعلى الأخص من قضوا في كارثة السيول غير المسبوقة، ثم اللهم (قِ) حجاج بيتك ليعودوا لأوطانهم بسلام وأمان وجنبهم ضرر هذه الأمطار الكارثية، التي لا يذكر مثلها أهل جدة، ومكة من المعمرين، ثم نتقدم بعزائنا الحار لمن غيبت هذه الكارثة عن عينيه حبيبا، أو قريبا.
وبعد هذا، فإن هذه الكارثة التي حدثت في جدة هي درس صعب تلقيناه لنعي خطر معاندة البيئة في التخطيط العمراني في المملكة، بل هي ليست درسا في جدة وحدها، فذاكرة كل منا قد تحفظ مثلها تتكرر عدة سنوات بعدد أقل من فقد الأرواح.
والموضوع أننا بعد كل كارثة من هذه الكوارث كبرت، أو صغرت، نتحدث عن التخطيط العشوائي، الذي يدفعه الجشع، ويسانده الفساد الإداري الخفي، هذا الفساد الإداري الذي غض الطرف عن فوضى البناء في المدن، وجعل شوارعنا بهذا الازدحام، ومعرضة لخطر بيئي كبير في أكثر الأحيان مما جعلنا نشهد كل يوم إزالة وتأهيلا لكثير من المنشآت خلال العشر سنين الأخيرة، فالتخطيط العشوائي، وتجاوز نظم البيئة الطبيعية عن طريق البناء في الأودية، وتحت الجبال القابلة للانهيار يصعب إصلاحه، وصار يكلف ميزانية الدولة الكثير، ولا حل اليوم بدفع المال لإصلاح هذه الأخطاء في الإنشاءات العشوائية إلا بإزالة هذه الأحياء، والمناطق التجارية التي بنيت بشكل يتجاوز طبيعة البيئة الجغرافية، ويتجاوز احتياطات السلامة العالمية.
لقد عايشت في بداية حياتي الصحافية قبل ثلاثين سنة معمرين، ومسنين، في أوائل السبعينيات من القرن الماضي حين كنت أكتب عن أول طفرة للمخططات، والمساهمات (1973م) وما بعدها، وكان هؤلاء المسنون المجربون يبدون استغرابهم الشديد من تخطيط الأودية، ومهابط الأرض التي يذكرون أنها تغرق في كثير من المواسم، لكن أحدا لم يسمع لأولئك الرجال نصحهم، لأن طفرتنا العقارية الأولى في السبعينيات تميزت بكثير من الفوضى في التخطيط، وتجاهل الظروف المناخية للبيئة، وأسرع الجميع للاستيلاء على الأراضي، وتخطيط هذه العشوائيات للمساهمات العقارية في أماكن غير صالحة للسكنى، وها نحن نرى النتائج اليوم ففي كثير من الفيضانات بعد نزول أمطار ينقلها تجمع الأودية على أماكنها الطبيعية حيث حفرت مجاريها عبر القرون، وتصريفها لطرق أخرى خصوصا في مناطق تحت سفوح الجبال كما في مدينة جدة يكلف أضعاف المبالغ اللازمة مقابل لو قررت الدولة إعادة إسكان مالكي العشوائيات، بمعنى، أن الحديث عن حلول فورية لسنة أو سنتين، هو ضرب من المستحيل إذا عرفنا أن مساحة ما يقارب نصف مدينة جدة، وكثير من مدننا بني في أماكن غير صالحة للبناء من وجهة النظر البيئة..
حسب علمي أنه من تصريحات سابقة خطط قبل الكارثة لنقل الأحياء الأكثر عرضة للخطر تدريجيا حتى يمكن السيطرة على الوضع البيئي الصعب في جدة، خصوصا أن أكثر تلك لا يمكن تجاهل وضعها البيئي غير الصحي، وغير الصحيح ومن ثم إعادة تأهيل بعضها لأغراض أخرى حسب تخطيط جديد.
ربنا إننا لا نسألك رد قضائك، ولكننا نسألك اللطف، وأن ترحم عبادك يا الله.
alqulam2@hotmail.com