مركب حاكم

بدر بن سعود

الطريقة التي يعمل بها عقل الإنسان تجعله أكثر قدرة على تذكر المشاهد والصور، والأهم أن عملية استرجاعه لأي نص مكتوب أو ملفوظ ضعيفة ومتواضعة، والاستثناء، من عندي، أن الأمر يجوز ووارد إذا تعامل العقل مع الحروف الخفيفة والثقيلة باعتبارها صورا دون أن يكلف نفسه مشقة الدخول في فهم محتواها، ومن يحمل هذا المخ في رأسه لا يختلف كثيرا عن كاميرا التصوير، ويسمونه تأنقا أو من باب المجاملة والدبلوماسية بصاحب «الذكراة الفوتوغرافية»، ولا أشك في أن أمثاله متوفرون بكثرة في المجتمعات العربية، وجزء من المقدمة مأخوذ من كتاب لعالم الأعصاب المشهور مايكل غازانيغا، اختار له عنوان: تاريخ العقل البشري (1998) وغازانيغا يفسر أو ربما يبرر الكلام السابق بأسلوب منطقى وعلمي، فقد كتب بأن الصورة أكبر سنا من الكلمة وأرشيفها قديم، وأن القراءة لا يتجاوز عمرها الإنساني خمسة آلاف سنة، مقارنة بمائة وخمسة وتسعين ألف سنة، تمثل في مجملها تاريخ الوجود الإنساني على الأرض، وبالتالي فالقراءة والكتابة بالحروف ظاهرة جديدة نسبيا على المجتمعات الإنسانية.
المتابعون للإعلام لا يتذكرون، في الغالب، إلا المشاهد التلفزيونية أو الصور الصحافية، وتبقى تفاصيل الأحداث والأزمات المنطوقة والمطبوعة، في دائرة النسيان أو الإهمال الذهني رغم أهميتها أحيانا، وقد وجد المهتمون من عينة ماري إليزابيث غراب وزملائها (2000) أن ثمة علاقة طردية بين المؤهل العلمي وهذه المسألة، وأكدو بالتجربة العملية، أن الكبار الذين يحملون شهادة الثانوية أو أقل، لا يستطيعون استرجاع ما يشاهدونه في التلفزيون بنفس كفاءة من يحملون الشهادات الجامعية والعليا، كما قام أونكيونغ بارك وجيرالد كوزيسكي (1995) بالوقوف على المشهد الإعلامي في صفقة إيران ـــ كونترا (1985) أو «إيران غيت» الأمريكية، ودرسا قدرة الأمريكيين على فهمها، وللتذكير؛ الصفقة أو الفضيحة المقصودة لها ثلاثة محاور رئيسية: الإفراج عن رهائن أمريكيين في لبنان، ودعم إيران بالسلاح في حربها المعروفة عربيا مع العراق، ومن ثم الاستفادة من أموال بيع السلاح في الصرف على ثوار «الكونترا» لمواصلة ثورتهم ضد النظام الشيوعي في «نيكاراغوا»، وقد كانت إسرائيل وسيطا في الصفقة بين إيران وأمريكا، وقال طيب الذكر «حسني البرزان» إذا أردنا أن نعرف ما يجري في البرازيل فعلينا أن نعرف ما يجري في إيطاليا، وأقول إذا أردنا أن نعرف ما يجري في إيران فعلينا أن نعرف ما يجري في «نيكاراغوا» وإذا أردنا أن نعرف ما يجري في اليمن فعلينا أن نعرف ما يجري في إسرائيل.
«زبدة» الموضوع أن أونكيونغ وجيرالد قالا بأن أهل الثقافة والتأهيل العلمي المرتفع، كانوا متفوقين جدا، على الأقل تأهيلا أو محدودي الثقافة، خصوصا في مجال استعادة ما يتابعون، وفي مقارنة ما يشاهدون بما يسمعون أو يقرأون، وفي ربط الأحداث ببعضها وتشريح ملابساتها، والمتفق عليه أكاديميا أنه كلما انخفض المستوى التعليمي أو المعرفي للشخص، زادت أخطاءه وتراجعت مهاراته الذهنية في التفكير والتحليل المنطقي والموضوعي، والنتيجة استبداد العاطفة والهمجية بأعصابه، وسيطرتها على أفكاره وتصرفاته، ولا أحتاج إلى أمثلة فالمعروف لا يعرف، والقراءة «مركب حاكم» إن جاز التعبير، ولا يقدر عليها إلا الصبور أو من يملك الوقت أو علية القوم، أما الفئات الاجتماعية الأخرى فيكفيها مطالعة التلفزيون بين فترة و فترة، لأنها مشغولة بهمومها اليومية عن ترف القراءة، وتكوين المواقف والانطباعات المدروسة والصحيحة، وبعبارة ثانية، الكلام المحكي أسهل من المطبوع على رجل الشارع.
أيضا ذكر إدوارد ويلسون (1994) بعد مسح أجراه على المشاهدين والمستمعين في الولايات المتحدة، أن أخبار التلفزيون والإذاعة لا تضيف شيئا لجمهورها، ورأت دراسة، من أيام زمان، قام بها راسيل نيومان على مشاهدي التلفزيون(1976) أن خمسين في المائة من المتسمرين أمام هذا الجهاز، لا يستطيعون تذكر تفاصيل ولو مادة واحدة شاهدوها فيه بعد دقائق قليلة من مشاهدتها، والتقدم في السن لا يؤثر، طبقا لميتر وجانسين، في دراسة حديثة واسعة (2005) نفذت على أربعة عشر ألف إنسان حول العالم، ما لم يكن الشخص مصابا بالزهايمر أو مخرفا طبعا، وقالت الدراسة بأن نسيان التفاصيل يحدث في حالة المثقف وغير المثقف، ولكن الثقافة تساهم في إبطائها أو في إطالة مدة التذكر، ولا أدري عن رأي محمد حسنين هيكل في هذه الحقيقة العلمية، كما ذكر لي بيكر وتشارلز ويتني (1981) أن من يعتبرون التلفزيون مصدرهم الأساسي للحصول على الأخبار، يكون مستواهم التعلمي والمعرفي، في العادة، أقل ممن يعتمدون على الصحافة المطبوعة كمصدر أول، ربما لأن مشاهدة التلفزيون لا تشترط التركيز، فالشخص قد يشاهد حدثا مؤلما وهو في حالة «سرحان» كامل أو في مكان «رومانسي» وبعيد تماما عن الأجواء المعروضة عليه في الشاشة.
إضافة لما سبق، أشار جيمس ايتما وزملاؤه (1983) إلى أن الفارق المعرفي أو الثقافي بين الناس أو «المجتمعات» سببه الأبرز الاختلاف في اهتماماتهم، وفي استخداماتهم لما يطلعون عليه من أخبار أو معلومات، وأنها قضية ذوق وميول ورغبة بالدرجة الأولى، والمعنى أن قيمة الخبر تخضع لمزاج الجمهور، وقد تكشف في بعض الأحوال عن عورة هذا المجتمع أو ذاك، ومن الأدلة، التغطيات الأخيرة للمباريات المؤهلة لمونديال جنوب أفريقيا في سنة 2010 بين مصر والجزائر، فالإعلام العربي ومعه السياسة مارسا دورا سلبيا في هذه المناسبة الكروية، وكانت الحملات الإعلامية الشرسة بين الطرفين الجزائري والمصري، أشبه برسمة كاريكاتير تدعو إلى الضحك والبكاء معا..
binsaudb@ yahoo.com

للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 107 مسافة ثم الرسالة