قصص عن معاناة الانتظار وأسباب الهروب إلى الأوراق الخضراء

أسرار وحكايات تحت ظلال الأشجــار

 كتابة وتصوير: حسين الحجاجي

في الظهيرة، ووسط توهج شمس تتعامد على الأرض في كبد السماء، أناس يستظلون بالأشجار في مناطق مختلفة. وكما هو اختلاف مناطق تواجدهم تختلف قصصهم وأسباب الانتظار، فمنهم من يستريح من عناء سفر، أو لتعطل سيارة، أو عمالة تأخذ قسطا من راحة في ظل شجرة أو حائط؛ هربا من وهج ملتهب في الصحراء الممتدة حتى داخل المدن، وآخرون على موعد عمل، أو لقاء قريب وغير ذلك.. حكايات وأسرار يحملها المستظلون تحت الأوراق الخضراء، فلكل انتظار قصة، ولكل مستظل سر.. دعونا نسمع قصصهم، ونعرف بعضا من أسرار انتظارهم تحت الأشجار:
أصدقائي نائمون
في البداية، منير عبد الله (28 عاما)، كان مستظلا بجوار حائط يجري اتصالا هاتفيا، ظل يتحدث غير مكترث بمن حوله، ثم أخذ يهمس عندما اقتربنا منه، ذكر منير بدون تردد أنه يتحدث مع أمه المريضة في بلده العربي الشقيق حيث قال: أجري اتصالا مع والدتي في بلادي التي تعاني منذ فترة طويلة من مرض مزمن ولا فرصة أمامي للتحدث معها والاطمئنان عليها إلا في هذا الوقت، ففي المساء تكون نائمة أو تكابد مرضها. كما أن زملائي يكونون في السكن، وأنا أفضل عدم إزعاجهم أو إقحامهم في أموري الخاصة، لذلك قررت الخروج والجلوس في هذا المكان تحت ظل هذه السقيفة متحملا حرارة الجو من أجل أمي، إنني منزعج جدا من أجلها ولا يهمني حتى لو تكلمت معها وأنا تحت الشمس أو في أي مكان، المهم هو سماع صوتها والاطمئنان عليها.
وعكة المهندس
وبينما كان عبد الجليل أحمد قوت (29 عاما)، وزميله فضل الله الزين الرحيمة (31 عاما) يستلقيان تحت شجرة على الرصيف، نهضا مستغربين حال اقترابي منهما، ولم اكتف بذلك بل انضممت إليهما وبعد أن تبادلنا السلام قال عبد الجليل: نحن في هذا المكان بغرض تركيب آلة صراف آلي بإشراف مهندس كان برفقتنا، لكن عند الساعة الحادية عشرة والنصف تعرض لوعكة صحية، ما دعا زميلا لنا للذهاب به إلى المستشفى، لكنهما لم يردا على اتصالاتنا حتى الآن، لذلك توقفنا عن العمل وبقينا نلتمس الظل، ولعل الأمر يكون مجرد وعكة عارضة ويعود المهندس سالما إلى الموقع. فالحرارة هنا شديدة وظل هذه الشجرة خفيف قليلا، كما أن حركة الهواء حارة جدا ولكن ماذا نفعل ليس أمامنا سوى انتظار مجيء المهندس أو يتصل بنا ويحدد لنا ماذا نفعل. ويضيف فضل الله قائلا: المشكلة ليست في انتظارنا في هذا المكان أو ذهابنا منه، المشكلة في تعذر الاطمئنان على صحة المهندس أما العمل فسوف نكمله غدا إذا تعذر اليوم.
قريبي الهارب
وأمام شجرة سدر بجوار أحد المساجد في جدة، افترش العم عواض (84 عاما) الأرض، وأخذ يروي قصة أخرى من قصص الانتظار قائلا: أوقفت سيارتي تحت هذه الشجرة ترقبا لوصول قريبي الذي كلما طرقت بابه قيل لي أنه غير موجود بينما سيارته متوقفة أمام بيته وأنا أعلم جيدا أنه داخل البيت ويشاهدني من شباك بيته لكنه يرفض مقابلتي. ويعلل ذلك بقوله: هذا الرجل كان قد جاءني في شهر صفر من العام الماضي وطلب مني إقراضه 30 ألف ريال، يعلم الله أنها مصاريف زواج ابني من مهر وعزائم، المهم جاء قريبي وأخبرني أنه مهدد بالسجن وأن ليس أمامه سواي، وأعطى نفسه مهلة لا تزيد على نصف شهر حتى يتسلم (جمعية) بمبلغ 40 ألف ريال ويرد لي المبلغ وأقسم بالله على ذلك، ومنذ ذلك اليوم لم أر وجهه، وإن كنت قد التقيته مرة صدفة في أحد المحال، وطلب مني انتظاره عصر اليوم التالي في بيتي، فأنا لا أريد أن اشتكيه لأنه قريب لي وأشعر بالحرج في تقديم شكوى ضده، خصوصا أنني لم أكتب عليه إيصالا أو سندا. فمنذ أن تعرفت على مكان بيته في شهر رمضان السابق طرقت بابه أكثر من مرة وفي أوقات مختلفة لكنه يتهرب، لقد أعطيته المبلغ بعهد الله وأتمنى أن أستعيد حقي ــ أيضا ــ بعهد الله على الرغم أنه أحرجني وتسبب في تأخر زواج ابني وتأجيله سبعة أشهر، واليوم جئت إليه مقررا أن أضع حدا لتهربه بإشهاد جيرانه وإمام المسجد على تهربه وعدم سداده للدين الذي اقترضه مني.
ابني والشلة
في موقع آخر، جلس أبو ياسر (56 عاما) داخل سيارته واشترط للحديث معي عن حكايته عدم التصوير ثم بدأ متحدثا: ابني الذي تخرج من الثانوية ولم يجد عملا أصابني بقلق أوصلني إلى درجة التعب، فقبل ساعتين بحثت عنه ولم أجده في البيت، وعندما سألت بعض أصدقائه أبلغوني أنه يجلس مع مجموعة شباب في بيت أحدهم في غرفة الحارس حيث تعودوا الجلوس هناك دائما، المشكلة أن بعضهم عندما علم أنني أبحث عن ابني كان قد ذكر لي أسماء بعض من الشباب الذين حذرت ابني من الالتقاء بهم أو مجالستهم لسمعتهم السيئة، وقطع علاقته بهم، ووجودي هنا لأتأكد بنفسي من صدق قوله، وأوقفت سيارتي هنا بعيدا عن أنظارهم كيلا يراني ابني عند خروجه، فأنا لم أعوده على المراقبة المباشرة مني بل أحاول أن أغرس في نفسه مراقبة الذات وأعطيته الثقة ليتخذ قراره بنفسه، وأحاول أن أظهر له أنني أصدق قوله ولا أكذبه. أتمنى ألا يكون ما قاله أصدقاؤه في الحي صحيحا، وأتمنى أن يكون ابني صادقا معي في عدم ارتباطه مع هؤلاء بأية علاقة. لقد مضى على بقائي هنا حدود الساعتين تقريبا وخرج شباب ودخل آخرون ولم يكن ابني بينهم. أترقب اتصالا من والدته أو من أخيه يخبرانني أنه عاد إلى البيت لكي أستريح.
يد بلا عصا
رجل آخر، من طراز جميل، له قصة أخرى مع الانتظار. الرجل الذي يستريح متكئا تحت (العبارة) إنه حامد الحربي (71 عاما) ولولا أني خشيت أن أزعجه لبقيت طويلا استمع لحديثه الرائع وذاكرته الممتلئة بالحكمة، قال في هذا الحديث الممتع: أنا رجل أترزق الله ولكن في مثل هذا الوقت ألوذ بهذا المكان بحثا عن الظل، وريثما يؤذن لصلاة العصر حيث تخف حرارة الجو. كما أن توهج الشمس في الظهيرة يؤذي عيني لذلك أوقف سيارتي وأضع فراشي بجوارها مترقبا موعد الصلاة، ثم أنطلق بعد ذلك في طلب رزقي، يستطرد: قديما كانت الأشجار الكبيرة متوفرة حيث نتوقف للبقاء تحتها لنستريح في ظلها البارد ثم نواصل طريقنا وكل منا في يده (عصاه)، فالمثل يقول (يد بلا عصا يد ذليلة)، أما بالنسبة للسيارة ــ فلله الحمد ــ أقود سيارتي منذ حوالي عشرة أعوام، ولم يحدث أن أخذت خلالها قسيمة مخالفة فأنا نظامي تماما وأتبع تعليمات المرور.
لا تدنسوا الظل
حمد سعد الدوسري (38 عاما)، القادم من مدينة الخرج، كان يجلس في ظلال حافلة قديمة متوقفة أمام ورشة ميكانيكا، قال: تعطلت سيارتي مع صلاة الظهر حيث توقفت وأنا في بداية توجهي إلى الخرج، بعد أن أنهيت مراجعة خاصة بالدراسات العليا في جدة، وبحثت عن مهندس يصلح سيارتي المتعطلة فنصحوني بالقدوم إلى هذا المكان وحددوا لي اسم ورشة بعينها وفرحت أن المهندس الذي يعمل في هذه الورشة هو من أبناء بلدي، وريثما تفتح الورشة قررت أن أخذ قسطا من الراحة فالوقت ما زال مبكرا.
يضيف: التمست ظل هذه الحافلة والتي لم يزعجني فيها سوى أن البعض مع الأسف الشديد اتخذها مكانا لقضاء حاجته ولا أدري كيف يفعل بعض الناس هذا رغم أنه منهي عنه شرعا.