«جسور في حب الوطن» ترفض الإقصاء وتبشر بالتسامح

 معتوق الشريف ـ جدة

حذرت مسرحية عرضت في جدة من تهميش الفكر وإقصاء الآخر واندثار روح التسامح وسيطرة الأنانية، مشيرة إلى أن هذه السلوكيات مجتمعة تسبب ضعف الانتماء للمجتمع، وتبعثر الجهود في سبيل التنمية.
مسرحية (جسور في حب الوطن) التي وجهت إلى الأطفال أمل المستقبل استطاعت أن تؤكد أهمية التسامح ونبذ الأسباب المؤدية إلى الفرقة، متخذة من نهج (العفو عند المقدرة) واحتواء المسيء مهما عظم ذنبه أسلوبا لمخاطبة جمهورها الذي امتلأ به مسرح نادي الاتحاد.
لوحات المسرحية التسع شكلت أهمية لترسيخ القيم الإيجابية، وتعويد النشء على التسامح والتعاون والتكاتف من أجل غد مشرق بعيدا عن الأنانية، في الوقت الذي أكدت فيه على أهمية احترام الآخر مهما كانت مكانته ووضعه الاجتماعي.
بئر الماء
اللوحة الأولى بدأت بأغنية: «هيا نتعلم حب الوطن مع جسور/ من أجيال سبقتنا عاشت في أقدم العصور»، قدمت لوحة درامية عن شريحة أنانية متمثلة في شخصية (غضب) التي جسدها الفنان عبد الله اليامي، حيث حاول السيطرة على بئر الماء في القرية للتسويق لبئره الخاصة، مستخدما أسلوب الإشاعة لإقناع الأهالي بعدم صلاحية ماء البئر، وأنها مسحورة، ووظف لأجل ذلك أحد المهمشين في القرية (درويش) الذي جسد دوره الفنان فهد العمر لتنفيذ مخططاته الشريرة.
هذه اللوحة ذات رمزية للوجه الآخر من شخصية البشر الساعية إلى التحكم والسيطرة والأنانية. واستطاع مؤلف المسرحية ومخرجها عمر الجاسر أن يقدم حلا رمزيا لمناهضة هذا الفكر الأناني بالدعوة إلى التسامح والتكاتف في اللوحة الثانية (النظافة) التي أرد من خلالها الدعوة إلى تنظيف العقل من هذه الأفكار من خلال مشهد جماعي لأهل القرية (عبد الرحمن القايدي، محمد الشمراني، فيصل الزيات، يوسف صلاح القرشي، ومهند الجاسر) الذين قدموا مشهدا مسرحيا جماعيا صامتا يصاحبه أغنية جاء فيها:
«النظافة من الإيمان
يالله معانا يا أخوان»
ولأن النفوس الشريرة عندما توصد الأبواب في وجهها تبحث عن نوافذ أخرى جسدها المؤلف في فئة المهمشين اجتماعيا الذين لم يجدوا فرصة مناسبة لإبراز مواهبهم، مؤكدا أنهم أكثر عرضة للتأثر بأفكار الآخر الشريرة بغية إثبات مواهبهم وإن كان ذلك على حساب المبدأ والمعتقد، وهذا ما اتضح جليا من خلال استخدام (غضب) لـ (درويش) لتنفيذ مآربه ومخططاته بعد وعود المال والجاه والسلطة والحياة الكريمة والزواج من بنات أرقى العائلات اجتماعيا.
مشهد صامت
وفي اختزال لإحداث الشر في الأسلوب الحكواتي، قدم المخرج مشهدا صامتا يجسد حال أهل القرية بعد دفن البئر من قبل الفئة الشريرة، في رمزية لحقبة زمنية تعطل فيها كل شيء، ليكرس هذا المفهوم «الصراع على الماء» في اللوحة الخامسة التي تتسيد فيها الأنانية والصراع الفكري، ليقدم بعد ذلك لوحة مسرحية سادسة يدعو فيها إلى التخلص من الهيمنة والخوف ودحض الإشاعة التي تسللت إلى الأذهان فاستقرت معتقدا لا يمكن تجاوزه، ليبرز في هذه اللحظات شخصية (جسور) التي أداها الفنان عمر الجاسر، لتنهض الهمم وتدعو إلى التخلص من ذلك المعتقد الذي تمكن من العقول بالدعوة إلى التعاون ودحض الأفكار الغريبة بمصاحبة مسمع غنائي يقول مطلعه:
«ما أجمل التعاون
لنتخطى المصاعب
الكسل لا يطعم عسلا
واليأس لا يبقي أملا
عودا عودا نبني عشا»
هذه الدعوة إلى التخلص من الإرهاب الفكري الذي يمثل عقدة (حبكة) المسرحية كشفت سر لعبة الهيمنة المتمثلة في السيطرة على أهالي القرية، ومدى تهمشيهم لأصحاب العقول والمواهب المتمثلة في شخصية (درويش) الذي استخدمه (غضب)، ليغني الجميع أغنية:
«فينا العزم.. وفينا القوة
هيا نعمل.. هيا نعمل
ونبني الحاضر والمستقبل
في أيدينا نحمي وطنا»
أهازيج الفرح
انتقالا إلى اللوحة الثامنة من المسرحية، فأنها تبرز أن دحض الشر يتجلى في العزم والتعاون والتكاتف، وأن مجتمع المسرحية ذا القيم الإسلامية الأصيلة يتعامل بقيم التسامح مع المخطئ إذا اعترف بذنبه، كما فعل مع (غضب) بعد أن جفت بئره. ويختتم المخرج مسرحيته بأهازيج الفرح بعد عودة المذنب إلى جادة الصواب، حيث تنتهي المسرحية بأغنية (عمار يا دارنا) التي صاغ كلماتها سعد آل سعود، ولحانها صالح الشهري، وأداها الفنان رابح صقر، ومما جاء في مطلعها:
«عمار يادارنا يا قبلة المسلمين
مهبط كتاب الوحي على الرسول الكريم .


المشهد الثقافي