(صالح) وجه دعكته التجارب وأنضجته قسوة الأيام عرف البرغماتية قبل ميكافيلي وعلم أن من أحب الضيف أكرم دابته وأن من (أعطى من ماله لا يرمى خياله) كان الواعظ يدعو إلى الله في القرى ويحضر المصلين في كل صلاة خصوصا الفجر ويراقب تصرفات أهالي القرية ويحاسبهم على أدق التصرفات والألفاظ ، ومن تخلف عن فريضة أحرق عمامته والعمائم كانت عزيزة جدا ونادرة، وبما أن حمارة الواعظ تـرزح تحت رعش بيت العمدة تولدت في ذهن عم صالح فكرة يتفادى بها مراقبة وتحضير الشيخ، ومن أطعم فما ولو لدابة يستحي اللسان والتوالي لها والي، تعمد صالح أن يصرم قصبة من البرسيم وتحرى الواعظ حتى خرج ثم رمى الحزمة أمام الحمارة فتهللت أسارير الشيخ وتجاهل عم صالح طالما أنه أعلف الراحلة، خصوصا أنه جعلها عادة يومية صبحا وعشيا فنجا من المحاسبة والمطالبة.. استراح صالح من مطاردة الواعظ واحتمى بالدهاء من صولة داهية (ومن جاله الشور الرشيد كفاه) و(ما يفتح الله باب غرم إلا يدبر من يسده) وكان صالح عندما يرى بعض الناصحين يردد (ابتنى في صافح الوجه مدماكة عريضة، تمنه من الخوف الأكبر ويتقنص بها) وربما سبقنا بعض أهلنا هنا في رصد ظاهرة التمظهر البراغماتي النفعي وتعاملوا معه بحكمة حتى أن أحد تجار المكسرات صادف بحماره المحمل بالتمر واللباب والزبيب جماعة في بطن واد وقرأ في وجوههم ملامح الغدر به وسألوه: من أنت فترفع ثوبه وقال (أنا من الذين هربوا وتركوا الحمار ) فتركوه لشأنه طالما أن الغنيمة بين أيديهم والمكاسب حاصلة، والتاريخ مسلسل طويل من المشاهد والتجارب النفعية المستنسخة. وسلامتكم.