تمني زوال نعمة الغير مذموم ومحرم، بل هو إساءة أدب مع الله كون الحاسد لم يرض بقسمته، وملك الملوك إذا وهب، لا تسألن عن السبب، وتسقى بلاد الفسد ولا تسقى بلاد الحسد، والشواهد حية وماثلة للعيان، وفي زمن الشيخ القرعاوي قبل ستين عاما افتتح فقيه القرية مدرسة ليلية لتعليم الناس أبجديات القراءة والكتابة وفك الخط وترتيل ما تيسر من كتاب الله، ولم يكن جماعة القرية على اطلاع وعلم بما يقبضه الفقيه من أجر، فلما علموا حسدوه وتآمروا على الانقطاع عن مدرسته ليتم إغلاقها وتنقطع أجرته، ومـرر أحدهم إلى مشرف المدارس أن مدرسة قريتنا متوقفة وأن الفقيه يقبض راتبا وهو لا يؤدي عملا، ومن أخذ الأجرة حاسبه الله على العمل، فقـرر المشرف إرسال مفتش للتأكد من صحة الأخبار فما آفة الأخبار إلا رواتها، وعندما علم الفقيه بقدومهم رتب أموره وكلما لقي أحدا من أهالي القرية قال: العشاء الليلة في البيت ولا تتأخر بعد المغرب تكسيني رأسك، والمجتمع في ذلك الزمن يفرح بدعوة إلى الأكل فتقاطروا إلى منزله حتى اكتظ بالحضور وكانت السبورة مقلوبة على الجدار وعليها درس طويل في التوحيد والفقه، وما أن سمع وقع حوافر حمارة المفتش حتى قلب السبورة وبدأ يشرح (والمسلم يعرف ربه بنعم كثيرة...) إلخ، وكان المشرف حريصا على سؤال الطلاب للتأكد من مواظبتهم على الحضور، فقال: من يحفظ التحيات، فرفع طالب حيال إصبعه وقال أنا، فطلب منه أن يسمعه، فانطلق الطالب «التحيات الهابطات السارحات الرائحات) فسأل الطالب «من علمك هذا»؟ فأجابه الفقيه، فسأل الفقيه: أنت علمته هكذا؟ فأجاب «يهبا هذا ما درسته أول مرة يحضر معي اليوم».. ولعل المعلم من أشقى الناس بمهنته فهو كالتمر أو الشعير مأكول ومذموم، والمتنبي وجد أكبر الشقاء في أنه بما هو شاكٍ منه محسود .. علمي وسلامتكم.