المكان حضور لغوي، ودلالة رمزية، ويمكن أن يغدو المكان نصا مثلما يستحيل النص مكانا، ونعمة الاستعادة علاج روحي يعيد للمكان سطوته بما يفرضه علينا من حنين، قبل جيلي كان البناء صديق للبيئة وكان للحجر والطين حضورهما ولكل قرية مقلع لتوفير الحصى وأحيانا لكل لحمة أو عائلة، وفي زمن جميل كانت أحجار البيت صديقة والسلالم والحوش والله يديم التماسك يا خشب بيتنا، ومع الطفرة الأولى وقع الناس في وهم تطوير البناء فجاء حجر الرياض وحجر النماص وكسر الرخام من كل أنحاء العالم وتغير نمط البناء وبنت في الديرة حصى غير حصاها، والمثل كما في العنوان يستحضر في مناسبة الزواج كون الراغب في الزواج يحرص على بنت قريته ويختار البيوت العملية «بيوت الشقا» لأنه يريدها «مكدة ومخدة» وعندما انفتح بعض الموسرين من أهلنا على الزواج من خارج المملكة وتسامع الرجال بمهارة الزوجات الوافدات في اللبس والطبخ والكلام تدافعوا على التأشيرات، وإحدى الأمهات لم تستوعب لازمة زوجة ابنها وهي تردد «تقبريني حماتي» فقالت لها «اخشعي ملأت بيتنا قبورا» وشاعرنا أبو جعيدي تفاعل مع المشهد وتطلع إلى دخول التجربة وقال (هديت بيت الطين بيدي وأنا بلعاني، نبغى المسلح ما لنا في الحصى نيه) وبما أنه ليست كل الزيجات ناجحة والموضوع قسمة ونصيب إلا أنه ليس بالضرورة أنه ما يبني في الديرة إلا حصاها لأنه بنت في الديرة حصى من طنجة ومن إندونيسيا وكان أبي رحمه الله بحكم خبرة ومعايشة يجزم أن الطبيب الجيد والمهندس الماهر والحرفي الحاذق كلهم لا يخرجون من أوطانهم للعمل إلا لضرورة القصوى شأنهم شأن البنت الجميلة حين يتزوجها شابٌ من قريتها وقل ما تزوجت فتاة مميزة من قرية أو قبيلة أخرى إلا في ظروف استثنائية.. وجمعتكم مباركة.