لو أن شخصاً ما كان له بذمة شخص آخر مائة ألف ريال على سبيل المثال، سواء كان المبلغ ديناً وقرضاً حسناً أو مقابل أعمال بناء أو إيجارات متأخرة أو بضائع مسلمة للمدين على أساس دفع ثمنها كاملاً بعد استلامها بمدة معينة وبموجب عقد ذي شروط وواجبات، وأراد الذي عليه الحق مماطلة صاحب الحق وعدم الوفاء بالدين المستحق عليه في موعده أو عدم الوفاء به إطلاقاً فما هو العقاب الشرعي أو النظامي الدنيوي الذي ينال المماطل سواء استطاع صاحب الحق الحصول عليه بعد لأي أو أنه تعب وغُلب على أمره فترك حقه ليأخذه من المماطل في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، ما هو العقاب الذي يتعرض له مماطل عتيد عنيد لا يخاف الله ولا يستحي من الناس؟! الجواب أنه لا يوجد عقاب رادع ولا حتى غير رادع ومن الموجز.. إلى التفاصيل!
في العادة فإن صاحب الحق يبدأ في طرق باب الذي عليه الحق، بالمودة والحسنى وبما بينهما من إخوة ومعروف ومعاملة حسنة وكلام طيب، فيأخذ المماطل في مبادلة صاحب الحق بكلمات وعبارات أحسن مما سمع.. وجُمل تُزحلق الجمل وتسدح الثور، منتهياً مرافعته عن نفسه بطلب مهلة لا تزيد عن أسابيع أو شهور معطياً كلمة شرف أن ما عليه لصاحب الحق سوف يؤدى إليه كاملاً مؤكداً له ذلك بقوله: يا أخي.. ثق في كلامي واعتبر حقك في جيبك والله على ما أقول شهيد!
وهكذا يظل صاحب الحق يراجع المماطل طلباً لحقه وكلما انتهى موعد أقسم المماطل أن ظروفاً قاهرة فوق طاقته وإرادته حالت دون تمكنه من الوفاء بما التزم به، فلا يملك صاحب الحق سوى مسايرته مصدقاً أو مرغماً لعل وعسى!! فإذا انتهت جميع الحيل ورأى المماطل أن لهجة صاحب الحق قد بدأت تتوتر وتشتد، بادله توتره بتوتّر أشد وأقوى وقال له بكل وقاحة: اسمع لا شيء لك عندي.. خذ أوراقك وانصرف بها ولا تنس أن تمر على الزيات وبيني وبينك المحكمة!
بعد هذه الكلمات الطيبة البريئة!! يجد صاحب الحق نفسه قد أضاع شهوراً أو سنوات في مطالباته الودية لحقه من المماطل، يجد نفسه مضطراً لطرق باب المحاكم ليبدأ الفصل الثاني من المأساة التي قد تطول فصولها ما بين طلبات وجلسات وغياب واعتذار وأخذ ورد وسؤال وجواب، لاسيما في ظل تراخي اجراءات جلب الخصوم إلى المحاكم، فإذا صدر حكم لصالح صاحب الحق فقد لا يصدر إلا بعد عام من تاريخ تقديم الدعوى، إضافة إلى أن الحكم يحتاج إلى شهر يمكن للمدعى عليه أو المدعي خلاله تقديم لائحة اعتراضية استئنافية على الحكم، ليرسل بعد ذلك إلى محكمة التمييز لمراجعته وتأييده ثم إعادته بملاحظات أو التصديق عليه وإرساله للتنفيذ.
أما المرحلة الثالثة وهي مرحلة التنفيذ فلا يظنّن أحد منكم أنها مرحلة سهلة لوجود حكم شرعي، بيد صاحب الحق، بل هي مرحلة صعبة جداً يمكن أن تستمر فصولها عاماً أو أعواماً، ومن تهرب وتخفٍ وخروج بالعباءة أو بصحبة العائلة وتغيير للهواتف والسكن وسفر ومفر وحضور وغياب فإذا وصل المدعي إلى حقه بعد ذلك -هذا إن وصل إلى حقه!- فما جزاء المماطل الذي ضيع ثلاث سنوات على صاحب الحق وأتعبه وجرجره في المحاكم وجهات الاختصاص وحبس حقه من أن يستفيد منه وينميه وشُغّل في المعاملة التي طالت سنوات بسبب مماطلته عشرات الأشخاص، وكل هؤلاء يعملون بأجور ورواتب ربما تبلغ أجور مجموع الساعات التي قضوها في معالجة مماطلاته ما يزيد عن قيمة الحق الذي عليه، فما هو جزاء المماطل وهل سمعتم من قبل عن أي جزاء مادي أو معنوي وُقّع ضد مماطل عنيد فإذا لم تسمعوا بمثل هذا الأمر من قبل فلا تعجبوا من تكاثر المماطلين وضياع الحقوق واتساع مساحات الذمم الخربة!