«الجوع مخلف الطبوع» كما يقول أهلنا هنا، وكان أشعب الطفيلي يقول (والله ما ترك حب الطعام في قلبي مكانا لحب أحد) وقيل له متى تذكر زوجتك يا أشعب؟ فقال: (إذا أشبعتني من طعامٍ ذكرتها، وإن جعت يوما لم تكن لي على ذكرِ، ويزداد حبي إن شممت طبيخها، وإن صمت غابت عن فؤادي وعن فكري).. وفي حكاية شعبية أن ضيفين التقيا على مائدة رجل مستور الحال فقدم صحنا توسطته طاسة مرق وحولها عصيدة بر تشرح الخاطر وبما أن الجوع سيد الموقف وكمية العصيدة والمرق لن تسد جوعتهما طلب أحدهما وكان حيالا من الآخر أن يحكي له قصة وفاة أبيه وبما أنه صداق وعلى نياته انطلق في الحديث عن سيرة أبيه وتشعب في شرح معاناته مع المرض وما مر به من مواقف ومصاعب ومتاعب (وأكثر التنتنة) وأكل الشرقي العصيدة وهو في (تنتنه) كما يقول الشاعر أبوجعيدي رحمه الله، الأكل فن وطريقته مهارة، فيه ناس تأكل وما يبان عليهم الأكل، وفيه آخرون أكلهم قليل لكنه يربي سريعا، وهناك كثرة تأكل ما تشبع، هناك من يأكل بمفرده ولا يعنيه جوع أقرب الناس وأوثقهم صلة به، فيه ناس تأكل وتؤكل من حولها من باب اللهم أرزقني وأرزق مني، فيه ناس تضرب بالخمس كون الملاعق للنعماء كفران، وفيه ناس تتقشف وتنتقي ما لذ وطاب بالشوكة حفاظا على الحمية واحتراما للنعمة وخشية من التخمة، من حولنا أكيلة منهم تيار «كل واشكر» وفصيل «كل واسكت»، وأنت وضميرك إما أن تأكل مع الأكيلة أو تخرج من المعادلة وتكتفي بالصوم والفرجة عليهم حول قصعاتهم دون أن تنبس ببنت شفة حتى وإن تجشأ أحدهم في وجهك. لاريب أن المال الحلال نعمة، وأن الذين يأكلون الأموال ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا، قد يكون منها السرطان.. عافانا الله وإياكم.