لم يكن (المربوش) مجنونا بالتفسير الطبي الإكلينيكي، وبحسب رواية أمه أن رفاقه راهنوه ذات ليلة حالكة على أن يغرس وتدا على المقبرة ليثبت لهم شجاعته وقدرته على نفي الخوف من قاموسه، اعتلى سور مقبرة القرية وفي يده وتد ومطرقة صغيرة وهم يرقبونه من فوق حصن عتيق يتوسط بيوتا معدودة، وبدأ هاجس الخوف ينتاب المربوش الذي بدأ بدق الوتد على عجل ولم يكن يدري أن الوتد اخترق أسفل الثوب وعندما هم بالمغادرة لم يستطع وظن أن الجن قيدته فخر مغشيا عليه حتى أتاه الرفاق وحملوه لمنزل والدته الأرملة وظل محموما قرابة شهر، ومر به فقيه القرية وتلا عليه ما تيسر من أوراد وأذكار وطبخت له الأم ما تيسر من أعشاب وذبحت قربانا لعل وعسى تتحسن صحته قليلا إلا أن الربشة ظلت ملازمة له، ومع افتتاح مدرسة القرية التحق بها ولمجاملة المدير والمدرسين لأمه ذات البقرة الحلوب أكمل بالكاد المرحلة الابتدائية ولكنه لم يوفق في عمل حكومي فرأى إمام الجامع أن يوظفه مسحراتيا طيلة شهر رمضان على أن ينال بنهاية الصوم زكاة الفطر من أهالي القرية وكلفه الإمام بالمرور على البيوت ودعوة الناس للسحور والاستعداد لصلاة الفجر، وبما أن المربوش لازال يعاني آثار ليلة المقبرة فقد احتزم بالجنبية وتغرز بالريحان تحت العقال وأحسن قبضة السواك الأراك وكحل أجفانه وانطلق يلاحق الكبار والصغار (قوموا تسحروا، صلوا، اطلبوا الله ، سحورك يا صائم وحد الدائم) وبمرور الوقت شعر بأن سلطته ناقصة إذ إن المنصب يخوله استعمال الشدة فمر بشجرة رمان في وادٍ سحيق وافتصخ منها عصاة يطرق بها الأبواب ولا يتردد في وضع بصمة على ظهور بعض المارة، وبهذا تحولت السلطة إلى عصا والعصا إلى سلطة في يد المربوش وهو ما جعل الجماعة يلتمسون العذر له وهم يرددون المثل الشهير (مجنون مسكوه عصاة).