كان أبو عدلة أحد الشخصيات ذوات النزعة الروحانية المحببة والطريفة والقريبة من الناس في القرى، ولجهل الكثيرين بآثار وتجليات العارف بالله حكموا على عم سعيد باختلال العقل وأطلقوا عليه (المجنون) وذات يوم التقى لفيفا من نسوة القرية حول بئر للسقيا وكلهن موقن أن أبا عدلة مستجاب الدعاء فقلن بشيء من خفر ودلال «أدع الله لنا يا عم سعيد» فرد عليهن قلن: آمين، فقلن: آمين، فقال (الله يأخذ عقولكن كما أخذ عقلي). للعارفين حالات من الوجد والشوق تذهل الإنسان عن نفسه وعما حوله فيطوي البلاد هجرة وبحثا عن محمود الفطر وصادق النقاء، وليست العقول دائما نعمة فمن العقول ما أشقى. عندنا لايزال البعض يخلط بين التعب النفسي والجنون، ومن أبسط الفوارق أن الجنون يرتبط بخلل في العقل، بينما المرض النفسي معاناة الروح، وبحسب دراسات علمية فإن العالم الأول مع كل ما بلغه من علم وثقافة ورفاهية وتقنية وقوة عسكرية إلا أن شعوبه من أكثر الشعوب زيارة للمعالجين والأطباء النفسانيين، ولعلهم يقعون مثلنا بسهولة في حبائل الدجالين والأفاكين والمشعوذين، وربما تمر بأحدنا حالة ضيق وكرب ولا يجد لها تفسيرا كونه مصليا وذاكرا لربه وتاليا للقرآن ولا يدري أنه يمر بالاكتئاب المألوف عند زيادة الضغوط على النفس، والصلاة والذكر والقرآن أدوية روحية دون ريب، إلا أن زيارة المعالج والطبيب النفسي دليل وعي الإنسان بذاته وضرورة فرضها واقع ثقيل، ومن قصص أحد من نتهمهم بالجنون أنه دخل مجلسا فيه ضيوف وجيء بتمر، وأمره شيخ أن يقسم التمر، فقال: أأقسمه كقسمة الله، أم كقسمة الناس؟ فقال الشيخ: أقسمه كقسمة الناس، فأعطى كل حاضر ثلاث تمرات ووضع الباقي أمام الشيخ، فقال الشيخ : بل أقسمه كقسمة الله، فجمع التمر وأعطى كل واحد تمرة وأخذ الباقي، فعلموا أنهم حمقى حين وصفوه بالجنون.