من الحكايات المتوارثة في القرى أنه بينما كان الصانع يلقم بقرته وفي جوارها عجل صغير (حسيل)، وزوجته بالقرب منه، وبينما هم كذلك تشابك اثنان في الوادي وارتفعت أصواتهما بالملاسنة حد الهجاء اللاذع، فقالت الزوجة لزوجها «قم وفك المشكل بين جيرانك»، فرد عليها متهكما «اهجدي والله أن الدوّرة على حسيل الصانع»، أي أنهما يتصارعان ليدخل بينهما فيحملونه الحق ويذبحون عجله، واتضح لاحقا أن النزاع الوهمي مفبرك، وأن في القرى من يدير الصراع ومن يشعل نار الفتنة وهناك من يطفئها، بل وحتى في المؤسسات بمختلف تنوعها فالمكيدة والحيلة والمكر جزء من حياة متعددة الوجوه، وفي حكاية ثانية كان عم أحمد يريد تمرير فكرة للجماعة دون أن يظهر، وعلم أنهم يجتمعون غدا في بيت شيخهم، فما كان منه سوى المضي ليلا إلى كبير القرية ودس في يده ريال فضة وألقى في سمعه فكرته فرد الكبير «يا بشراك ما يصير إلا اللي تبغاه»، وفي الغد اجتمعوا وتحدثوا سوى واحد لم ينبس ببنت شفه، فسأله أحدهم: لم لا تتكلم يا عم أحمد؟ فأجاب «ريالي يتكلم نيابة عني يـ(الفاغر)»، استعدت هاتين القصتين وأنا أتابع برنامجا وثائقيا عن مشروع (جورج مارشال)، وهو مدير هيئة العمليات العسكرية في الحرب العالمية الثانية، ثم أصبح وزيرا للخارجية، ودعته جامعة هارفرد الأمريكية لإلقاء خطاب التخرج عام 1947، ومن خلال خطبة مختصرة في دقائق لا تزيد على 15، اقترح إنشاء السوق الأوروبية المشتركة، وقال إنه يتحتم على الولايات المتحدة المنتصرة في الحرب أن تسهم في إعادة بناء أوروبا؛ لأنه ليس من مصلحة أمريكا أن يظل جزء حيوي من العالم معدما، للمال سلطة شرسة أحيانا، وللكبار من الرموز سطوتهم وحضورهم ودهاء قراراتهم، وللشخصيات القيادية أثر في كل ما يقع من إشكالات وما يقترح من حلول وتوافقات. بوركت جمعتكم.