في زمن الجوع والفهلوة، كان أحد الحيالة يرتدي ثوبا فضفاضا له أكمام متماسكة الفوهتين، ثم يحزم وسطه بحبل ويجول على أسواق الحبوب، ويمرر أكمام الثوب على أكوام الحنطة أو الشعير أو الذرة أو الدخن، ثم يرفع يده إلى الأعلى حتى يتسرب ما جمع الكم في وسطه، وبعد ثلاث.. أربع محاولات ناجحة يعود لبيته وينتظر حتى منتصف الليل ليتسلل خفية إلى بيت سمسار يشتري منه الحب المسروق بسعر زهيد، وعند الكيل يضع السمسار يده فوق المد أو الصاع ليستوفي كمية أكبر من الحب، وكان السارق يغتاظ من فعله ويطالب الكيال بإبعاد كفيه قائلا: خف الله يا عم سعيد و ــ (فك الهاربة) ــ فيرد عليه السمسار: (اللي يخافون الله قد رقدوا يا ولدي ما فيه صاحي هذي الحزة إلا أنا وأنت). وفي زمن الرخاء الذي ننعم به ــ بحمد الله ــ انتهى زمن الحيلة المرتبطة بسد العوز، ولكن تطورت أساليب ومهارات الحيالة المتطلعين للثراء السريع بأساليب ملتوية ظاهرها نظامي، وقد لا تجد مبررا للمبالغات في صرف مبالغ مليونية على مشاريع يمكن العمل على بدائل لها بمبالغ أقل وأوفر، فإقامة مبانٍ لإحدى الجامعات الحديثة خارج المدينة على جبال يلزم دكها بالديناميت بكلفة تتجاوز عشرة مليارات كان يمكن الاستغناء عنها بكليات في القرى بعد نزع الملكيات وتعويض المواطنين من خير الدولة وفيضها على شعبها، ولن يصل مبلغ نزع الملكيات وإقامة الكليات مع المرونة إلى تلك الأرقام المسربة في ثقوب الصخور المثلمة حد العتل! إضافة إلى أن إقامة المباني الجامعية بالقرب من الناس يخدم الطلاب والطالبات وذويهم، ويحقق تنمية، ويعزز حضور الجامعة من خلال فتح أبواب المكتبات للقراء وإقامة المحاضرات الوطنية والأمسيات الشعرية غير المؤدلجة بالطبع؛ حتى لا يأتي جيل بعدنا ويرى العبث بالمال العام فيقول «ليتهم رقدوا».