يحكى أنه كان لأحد الأعيان حمار من سلالة فريدة، كان عزيزا عليه وأثيرا عنده، وذات يوم قرر العين أن يعلم الحمار القراءة والكلام واجتمع بعلماء وحكماء البلد وطرح عليهم مشروعه التطويري لتحسين مستوى الحمار المعرفي، فتناسل العلماء والمربون تباعا خارجين من مجلسه ساخرين منه ومن فكرته الترفية حد العبث، وبقي في المجلس عالم عرف بالدهاء والحيلة استأذنه في الكلام فأذن له وقال «أنا قبلت أن أعلم حمارك القراءة وأجعله من أفضل المتحدثين» فسرته هذه الاستجابة الطوعية، إلا أن العالم أضاف ولكن لي شروطي، فرد عليه العين «شروطك مجابة» قال «تصرف لي يوميا دينارا ذهبيا، وتضمن لي ولعائلتي السكنى والإعاشة وتمهلني ثلاثين عاما لكي يتخرج الحمار من تحت يدي ماهرا كما تريد وأفضل مما تريد، فقبل صاحب الحمار الشروط ووضع له شرطا جزائيا ينص على أنه إن لم يحقق ما التزم به يرد كل التكاليف ويقضي بقية عمره خادما للعين، فقبل العالم، وتسامع الناس بهذه الاتفاقية المجحفة وندبوا حظ العالم ورداءة تفكيره وعاتبه بعض المقربين منه على المغامرة فرد عليهم بقوله «الاتفاقية تضمن لي ولأسرتي حياة كريمة وخلال ثلاثين عاما سيموت أحدنا الحمار أو صاحبه أو أنا».
ولقد استعدت وتذكرت هذه القصة التراثية وأنا أتابع وأحصي وأقرأ حديث بعض المسؤولين عن البنية التحتية عندنا منذ عقود خلت، ولكم أن ترصدوا حجم الميزانيات المعتمدة لمشاريع طرق ومياه وصرف صحي فقط وتقفوا على ما تم تنفيذه بالفعل وستحزنون مثلي عند سماع تبريرات تشبه مناجاة واهنة، وتتساءلون معي لماذا نفتقد التناغم بين عطاء الدولة الملياري للوزارات وبين واقع المنجز والجودة؟ وأين الخلل في هذه المعادلة؟ فالمال بفضل الله وفضل ولاة الأمر متوفر ولم يعد هناك شكوى من عجز ميزانيات، وشكوى المواطنين من بعض الخدمات قائم وربما يستمر، ولا أود توجيه الاتهامات بالقصور من بعض المسؤولين قبل اكتمال الأدلة حتى لا نقع تحت طائلة المساءلة، إلا أن سوء الظن أحيانا يدفعنا إلى تصور افتراضي أن بعض مسؤولينا يراهنون على الزمن كما فعل العالم مع صاحب الحمار، بارك الله جمعتكم.