في زمن ليس منا ببعيد وحين كانت القرى تعتني بالقيم والسلوك الاجتماعي المنضبط فقد أحد أهل القرية خروفاً من أسمن خرافه وبحث عنه جاهداً في الأودية والشعاب وعند الجيران والرعاة حتى بلغ حد اليأس وفقد الأمل في عودته، ولجأ لأحد حكماء القرية ودهاتها لاستشارته والاستئناس برأيه علّه يجود عليه بفكرة أو آلية لاستعادة خروفه، فقال الحكيم الداهية «قف بعد انتهاء صلاة الجمعة بباب الجامع وردد وكرر بصوت مسموع: لن تنطلي، لن تنطلي وحدق في وجوه الخارجين» فسأله وما الفائدة من ترديد هذه العبارة والتحديق؟ فأجابه: أنت افعل ما أشرت به عليك واترك بقية الأمور سأتولاها بنفسي، وبالفعل وقف الرجل بعد أداء الجمعة أمام باب الجامع يردد «لن تنطلي» والناس يمرون دون إعارته اهتماما، عدا واحد منهم وقف وسأل الرجل " «عن أي طلي تتحدث» ؟ فانقض عليه الحكيم الداهية وصاح في الناس هذا سارق الخروف وبعد التحقيق مع في المسجد واستحلافه اعترف وأقرّ واستعد بتعويضه متى ما انفرجت معه، هذه القصة الشعبية تتوافق مع أمثال دارجة منها «اللي على راسه بطحا يحسس» و «اللي في بطنه لحمة نيّة تمغصه» وأتساءل ماذا لو وقفنا بأبواب الجوامع والأسواق والمؤسسات ورددنا «لن تنطلي» هل ستساعدنا هذه الآلية في معرفة اللصوص والسراق أو الحد منهم؟ لست أدري! إلا أني أرى وأسمع وأتابع الخطب والمواعظ والكم الكبير من المحاضرات والكتيبات عن أهمية الأخلاق وضرورة ضبط السلوك والتذكير بتحريم السرقة وتجريم أكل المال الحرام ولكن بعض أفراد المجتمع يهدر القيم ويستهين بالأعراف والأنظمة مهما وفرنا من مصفوفات قانونية ورقابية وعقابية إذ أن موت أو مرض الضمير يلغي تأنيب الذات، وهناك فئات نهمة كل تفكيرها منصب على كيفية بلوغ مرتبة الأثرياء وتجدهم يرددون «حرام ناس عايشة وناس مش عايشة» متناسين أن الغنى غنى القلب وأن الفقر فقر القلب من مقومات الإنسانية، ومن اللافت أنك تجد بعضنا يتزيى بالصلاح ويمارس الفساد، فالخطابات البعيدة عن الواقعية خلقتنا كائنات مزدوجة وربما تنجح شركة أرامكو في ضبط سلوك العاملين فيها في أشهر أو أسابيع في حين عجزت المواعظ عبر عقود أن تعيد بعضنا إنسانا سويا وصدق الله (وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) لا صالحون شكليا كما يسوّق علينا بعضهم ولن تنطلي.