حين تتحدث عن الرواية في السعودية لا يمكنك تجاوز الأديب عبده خال. الذي نشأ في جيزان، في عمق الطبيعة، حين يتجول في القرية يرى كل المخاطر والسباع، وفي مقارنته بين القرية والمدينة يعتبر الأخيرة تعلب الأشياء أكثر مما تشرحها. المدينة لا تتسع للخيال، على عكس الريف والقرية والحقل. رغم دراسته للعلوم السياسية غير أنه استطاع أن يكون عالما بشؤون مجتمعه من خلال كتاباته وأعماله منذ السبعينات وإلى اليوم. نقرأ له «الطين، الموت يمر من هنا، ترمي بشرر». وتراه في المؤتمرات والندوات لطيفا يجمع بين سلوكه الهادئ وخلقه الرفيع وأستاذية تلهم الشباب والفتيات. له قدرته على الصياغة. كلماته يزنها بميزانٍ من ذهب.
عاش في القرية حيث الحكايا التي تسردها الأمهات والقريبات. يعتبر الرواية والأساطير والحكايا عملا أجادته في القرية النساء، وقد كتب عن تلك الأساطير وغيرها «أساطير تهامية». بارع في الخيال، يعتبر المدينة قتلا للخيال. أسس في سن الحادية عشرة مسرحا في القرية، كان ثمن الدخول إلى المسرح الشراء من بسطته البسيطة المتكونة من بعض البطاطا والخضروات. أحب أن يجمع بين واجب العمل (البيع)، والتسلية التي يرى فيها السحر (المسرح). في سن الطفولة يسهر على نصوص يكتبها من أجل أن يمثلها زملاؤه على تلك (الدكة الأسمنتية)، لأحد الجيران، والتي حولها عبده إلى مسرح.
يرفض عبده أن يخضع لثقافة «التعليب»، أو«الكرتنة»، بمعنى أن يكون المجتمع في التعليم وفي التلقي متشابها مثله مثل غيره، وأن يخرج الجميع بنفس الختم والمعلومة والسؤال ومن ثم يغلق على المخ والعقل ويطلق إلى العمل حتى يموت!
أراد عبده خال أن يكون موجا مستمرا في مجتمعه، رفض ادعاءات الجمهوريات. واعتبر الأنظمة الملكية أقرب إلى الطبيعة العربية والاستقرار. في لقائه على قناة «روتانا خليجية»، قبل أيام أبهرنا بالحديث عن الخيال والقرية والريف. أطال الله بعمر هذا الأستاذ النادر.