سؤال يجيب عليه راي موينهان أحد مشاهير الكُتاب في المجال الطبي من مجلة (نيو انجليند) الطبية العريقة، في كتابه الجديد (بيع المرض، كيف تحولنا جميعاً شركات الأدوية إلى مرضى- 2005)، والذي وضح فيه كيف أعادت شركات الأدوية تعريف مفهوم المرض والصحة وبالتالي دواعي وصف الدواء، وهذا ما حقق لها قفزة نوعية وكمية في حجم المبيعات وذلك عبر استراتيجيات تسويقية مكثفة تستخدم فيها الأطباء والمشرعين الحكوميين والهيئات العلمية والأكاديمية لتوسيع سوق مبيعاتها على حساب الأصحاء والمرضى على حد سواء، ويضرب مثلاً على هذا التوجه الجماعي لشركات الأدوية بما صرح به قبل ثلاثين سنة مدير عام شركة «ميرك» العالمية للأدوية هنري جادسين الذي قال إنه يجب أن لا يكون الدواء للمرضى فقط وأنه يريد أن يرى شركته مثل شركة ريجلي للعلكة تبيع منتجاتها لكل الناس، وهذا تماماً ما حصل، وذلك باتباع تلك الشركات للاستراتيجيات التالية:
- إعادة تعريف مفهوم المرض، فكثير من الاضطرابات والأعراض الصحية التي يعاني منها الكثير من الناس لا تستلزم التعامل معها دوائياً كأمراض. كالأعراض المتعلقة بمراحل العمر المختلفة والالتهابات البسيطة التي على سبيل المثال ترتب على إعادة تعريفها على أنها أمراض جدية كُثر، وصف المضادات الحيوية لها وهذا ما أدى إلى ظهور سلالات جديدة من البكتريا والجراثيم أكثر فتكاً ولا تستجيب للعلاج. وهناك مثل آخر صارخ أورده الكاتب عن وثيقة تسربت من شركة (فيفو) للعلاقات والاتصالات الطبية وهي عن برنامج من ثلاث مراحل لإعادة صياغة «الاضطراب المعوي» في التعليم الطبي ولدى الأطباء والرأي العام على أنه مرض جدي وذلك لتسويق دواء له يسمى (لوترونكيس) لشركة (جلاسكو سميث كلين) لكن إدارة الأدوية والأغذية الأمريكية أوقفت هذه الحملة وأمرت بسحب الدواء من الأسواق بعد أن تبين أن له مضاعفات خطيرة ومميتة.
- تحويل الكثير من المشاكل الاجتماعية إلى أمراض توصف لها أدوية كثيراً ما تكون لها أضرار جانبية جدية، فالمهدئات وأدوية الكآبة تحولت إلى وباء حتى في مجتمعنا (ينفق سنوياً 20 مليار دولار على تلك الأدوية) ويتساهل كثير من الأطباء في إعطائها حتى لصغار السن مع العلم أن من مضاعفاتها تشجيع الميول الانتحارية كما أنها قد تؤدي للإدمان.
- وحجر الزاوية في هذه الاستراتيجية هو تحويل الأطباء إلى مروجين لأدويتهم ولو كان ذلك على حساب المريض، وحسب أحد التقارير فشركات الأدوية تنفق على الطبيب الواحد ما بين 12 إلى 15 ألف دولار سنوياً على شكل هدايا عينية بسيطة أو قيمة أو تذاكر سفر مدفوعة لقضاء إجازات أو حضور مؤتمرات عالمية أو كعينات دوائية وأحياناً الدفع المباشر للأطباء ليروجوا لتلك الأدوية في لقاءاتهم الإعلامية بصفة خبراء وبين طلابهم وبالطبع ليصفوها لمرضاهما ولو كان المريض ليس بحاجة حقيقية لها أو هناك بدائل أفضل منها أو أقل خطورة أو أقل تكلفة. وفي تقرير لمنظمة الشفافية الدولية (2006) حول الفساد في صناعة الرعاية الصحية، إن الفساد شمل صناعة الدواء والأطباء الذين بات الكثير منهم حلقة أساسية من حلقات الفساد في هذا القطاع باعتبار أن قرارهم بوصف الدواء لا يقوم بالكامل على مصلحة المريض إنما على كون الطبيب يعمل كوسيط تسويق غير مباشر لشركات الأدوية، وهذا يعرض الكثيرين للخطر وضرب الإفراط في وصف المضادات الحيوية كمثل. وقد وصلت هذه الظاهرة إلى حد من الانتشار والخطورة لدرجة أن الحكومة الأمريكية ألزمت شركات الأدوية بتقديم كشوفات سنوية حول الامتيازات والهدايا التي تمنحها للمراكز الطبية والأطباء التي تزيد قيمتها عن 25 دولاراً، وفي المقال القادم نتناول الآثار الخطيرة التي يشكلها هذا الواقع الطبي المختلّ سواء على مستوى الأفراد أو الأنظمة الصحية الوطنية، وكذلك نتناول المزيد من الأسرار المذهلة عن عالم شركات الأدوية الكبرى، وحتى ذلك الحين نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة للجميع.
ص.ب 6123 مكة
bushra_sbe@hotmail.com