تسعى الجهات المسؤولة عن رصد وحماية الآثار الموجودة في بلادنا إلى وضع برنامج عملي تنفيذي لحماية تلك الآثار، وجاء في خبر صحفي حديث الولادة أنه تم قيد ورصد 7946 أثراً من الآثار، وأن خطة عملية قد وضعت موضع التنفيذ لحماية وصيانة الآثار تمتد في مرحلتها الأولى إلى العام الهجري المجيد 1430هـ.
وفي البداية أرى أن من الواجب والإنصاف تقديم الشكر لمن يقف وراء هذا العمل الوطني والثقافي الجليل والأصيل والجميل، لاسيما أنه قد جاء بعد عقود من التردد من تقديم أية عناية أو حماية للآثار مع أنه لا توجد أمة على الأرض تقف من آثارها موقف التردد والإهمال فإذا دعا النضج الفكري طائفة من أبناء البلاد للتنادي بصيانة وحماية الآثار خاصة الإسلامية منها، فلابد أن نقول لهذه الطائفة كلمة طيبة تشد من عضدها وتدعم موقفها وتجعلها قادرة على المضي في رصد وصيانة ما أهمل من مواقع أثرية وفق برنامج عملي جاد.
وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر فإن الأولى بإعطائه الاهتمام هو الآثار النبوية التي جاء ذكر العديد منها في القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة أو في كتب التاريخ المعتمدة لاسيما في الأماكن التي عاش فيها النبي صلى الله عليه وسلم وجاهد في الله حق جهاده أو زارها في أسفاره وغزواته وأخص بالذكر مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف، لأن آثار النبي صلى الله عليه وسلم هي أعظم وأهم وأجل وأجمل آثارنا، ولا يكفي أن تكون مواقع تلك الآثار مرصودة ومعروفة بل لابد من صيانتها والعناية بها، والتعريف الجيد بمواقعها والسماح بزيارتها وفق برامج إرشادية، لتذكير الأمة بمآثر وآثار الإسلام ونبي الإسلام، لأن أمما أخرى تُعنى بفلاسفة وعظماء وقادة، لا يمكن مقارنة مكانتهم ودورهم بدور النبي الأعظم بل إنه صلى الله عليه وسلم لا يُقارن في عظمته وسمو رسالته وأثره على العالمين بأي نبي أو رسول من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لأنه أفضل الرسل وخاتم الأنبياء، ففي مكة المكرمة كان مولده ومكان ولادته عليه الصلاة والسلام محدداً ومعروفاً في بداية شعب بني هاشم الذي أصبح يُطلق عليه حديثاً شعب علي، وفيها جبلان عظيمان وفيها غاران شهدا أعظم حادثين في التاريخ، حيث شهد الأول «غار حراء» أول اتصال بين السماء والأرض بنزول جبريل عليه السلام بسورة اقرأ، وشهد الثاني بداية الهجرة ونزلت فيه آية: }ثاني اثنين إذ هما في الغار|، ومن جبالها جبل أبي قبيس وهو أول جبل وضع في الأرض وجبل قيقعان الذي أصبح اسمه جبل الهندي، وهما الأخشبان اللذان خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل جبريل أن يطبق بهما على مشركي مكة المكرمة بعد أن آذوه صلى الله عليه وسلم فأبى رسول الرحمة ذلك راجياً أن يخرج الله من أصلابهم أمة من الموحدين وقد كان!، وهناك موقع مسجد الجن الذي رصد فيه نفر من الجن رحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء وسمعوه يتلو القرآن الكريم }فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا| السورة، وماذُكر مجرد أمثلة عن بعض ما تزخر به أم القرى من آثار نبوية مؤكدة، أما لو دلفنا إلى خارجها قليلاً فإننا نجد بعد مشعر عرفات بعدة كيلات موقع معركة حنين التي جاء ذكرها في القرآن الكريم }ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم من الله شيئاً|.. معركة حنين التي وقف فيها النبي صلى الله عليه وسلم موقف التضحية والفداء ودهم فيها ببغلته الأعداء وهو يرتجز قائلاً:
«أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب»
فمن يعرف من هذه الأجيال موقع معركة حنين ولماذا لا يحيا مثل هذا الأثر العظيم وتكون له خرائط ولوحات إرشادية ومرشدون أما في المدينة المنورة الغنية بالآثار النبوية الحية فإن الحديث عنها يطول وتضيق عنه زاوية صحفية، ولكن بيت القصيد أن جهود رجال حماية الآثار يجب أن تبدأ بالأهم وليس هناك أهم من الآثار النبوية فلتكن البداية بها وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين.