بدأ ديوان المظالم مؤخراً خطوات عادلة يُشكر عليها على الرغم من أنها من صميم عمله ومن أوليات مسؤولياته حسب نظامه الرسمي المتوج بمرسوم ملكي، بدأ الديوان في إصدار أحكام على جهات حكومية بدفع تعويضات مالية لمواطنين أو مقيمين تقدموا بتظلم إلى الديوان حول ما قدروا أنه ظلم وقع عليهم من قبل موظفين مدنيين أو عسكريين يمثلون جهات عملهم وقدموا ما يثبت صحة شكواهم من أوراق ومستندات ومواد نظامية إلى الديوان الذي نظر قضاته رعاهم الله ووفقهم إلى المزيد من الخير والعدل والحق، نظروا في تلك الشكاوى فظهر لهم في حالات عديدة أن التظلم صحيح وأن ظلماً ما قد وقع على مواطن أو مقيم سواء من جهة عمله أو جهة طبقت النظام ضده بطريقة غير عادلة، فلم يعد ما تطلقه نظاماً وإنما هو اجتهاد ذو أجر واحد في أحسن الأحوال!، فكان أن صدر عن الديوان عدة أحكام بالتعويض المادي للمتضرر كان آخرها الحكم بتعويض مواطن يعمل في قطاع عسكري بما يزيد عن مائة ألف ريال لأنه أحيل إلى التقاعد المبكر دون وجود سبب نظامي، والحكم بتعويض مقيم قامت إدارة شرطة في إحدى المناطق بتوقيفه لما يزيد عن عام بحجة أن أخاه اختلس مالاً خاصاً بجهة العمل التي يعمل فيها ذلك الأخ وفر هارباً فاجتهدت إدارة الشرطة فأوقفت أخاه على سبيل الضغط عليه حتى يدلي بمعلومات عن أخيه الهارب، حيث لبث في السجن نحو تسعة عشر شهراً وهو يؤكد لهم أنه لا يعلم عن مكان أخيه فلما أطلق سراحه شكا أمره إلى ديوان المظالم فحكم له الديوان بمبلغ مائة وثلاثة وسبعين ألف ريال هي مجموع أجوره اليومية عن فترة توقيفه مضاعفة لمرتين تعويضاً له عن فترة احتجازه.

كل ما تقدم ذكره نُشرت تفاصيله في الصحف المحلية مؤخراً، وما ذكرناه ما هو إلا مجرد مثلين عن أحكام عادلة مماثلة أصدرها ديوان المظالم ضد جهات حكومية، وهو اتجاه جيد يلقى دعماً من ولاة الأمر، وخطوة أولى في الاتجاه السليم لتفادي الأخطاء الوظيفية الفردية التي تقود إلى مظالم فردية أو جماعية عند تطبيق الأنظمة.

ولكن ما حصل من انجاز لابد أن ينتج عنه عدة تساؤلات تتعلق بوسائل تنفيذ الأحكام الصادرة وهذه التساؤلات يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولاً: هل يوجد لدى الجهات الحكومية بند مالي يغطي مثل هذه التعويضات الصادر بها حكم قضائي من ديوان المظالم، وإذا لم يكن هناك بند مالي يمكن للجهة المدانة الصرف منه على مثل هذه الحالات فكيف ينفذ الحكم.. هل ينفذ «بالقطّة» من مجموعة الموظفين الذين شاركوا في الخطأ الذي أدى إلى صدور حكم التعويض أم بطلب تبرع من المحسنين من المراجعين أم يظل حكماً صادراً بلا تنفيذ؟!

ثانياً: ما هو ذنب الجهة التي صدر حكم قضائي ضدها بتعويض مالي لمواطن أو مقيم حتى تدفع ثمن خطأ وتجاوز ارتكبه أحد أفرادها أو موظفيها أو مجموعة منهم، وكيف يُردع من يرتكب الخطأ والظلم إذا كانت جهة عمله سوف تدفع عنه في حالة وجود بند للتعويضات؟، ولماذا لا يتحمل المتجاوز ثمن غلطته بحق النظام لكونه استغل سلطات وظيفته أو تجاوز في تطبيق أنظمتها مما أدى إلى إلحاق أضرار بمواطن أو مقيم.. ولماذا لا يتحمل المتجاوز ثمن غلطته ويُحمَّل المبلغ الذي حكم الديوان بدفعه على سبيل التعويض، وذلك بالحسم الشهري من راتبه بما لا يزيد عن ثلثه حسب النظام، مقابل أن تدفع جهة عمله المبلغ دفعة واحدة لمن حكم له بالتعويض لأن مثل هذا الإجراء النظامي العادل هو الإجراء الرادع الذي يضمن بإذن الله عدم الجور أو التجاوز في تطبيق الأنظمة وإن حصل شيء من ذلك فإن الفاعل يعلم أنه سيدفع الثمن فالخطأ والتجاوز واستغلال السلطة الوظيفية.. كل هذه الأمور يمكن أن تقع في أي مكان في العالم، ولكن الرادع إذا ما وُجد وطبق فإنه إن لم يقض على جميع حالات التجاوز فإنه يخفض من نسبتها إلى أدنى حد وبمثل هذه الإجراءات السليمة يمكن أن تستقيم الأمور.. وبالله التوفيق.