مصائب العالم بلا حدود وحاجات الفقراء والمنكوبين والمحرومين هي أيضاً بلا حدود، والحاجة لإيثار هذه الفئات على النفس بالنفقة والإعانة والتكافل هي أيضاً بلا حدود، وأبواب الخير لمن قصدها هي أيضاً مشرعة بلا حدود ولا تبعد عن الإنسان أكثر من مسافة ضغطة زر، لكن وللأسف في هذا العصر الذي تيسر فيه فعل الخير إلى هذه الدرجة التي تحمل الجميع مسؤولية مضاعفة وتقيم عليهم الحجة مضاعفة، نرى غفلة كبيرة لدى الكثيرين عن المساهمة المستمرة والفاعلة في مجالات فعل الخير المختلفة والتي يعتبر بعضها غير معروف تقريباً في مجتمعنا بينما تشكل النسبة الأكبر من النشاط الخيري في مجتمعات أخرى، مثل التبرع بالوقت والجهد والخبرة خاصة ممن يملكون الكثير منها كالمتقاعدين أو كنشاطات جماعية لطلاب المدارس والجامعات وحتى كنوع من العقوبات التأهيلية لأرباب الجنح الصغرى خاصة من صغار السن وذلك في مقابل عقوبات أخرى ليس لها مردود جماعي مثمر، فعمل الخير والمشاركة في النشاطات التطوعية سواء بالمال أو بغيره يجب أن لا يكون حدثاً استثنائياً يحدث فقط عندما تكون هناك حملة رسمية لجمع التبرعات، بل يجب أن يصبح ثقافة مجتمع وطريقة حياة، قال ابن عباس رضي الله عنه «لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهراً أو جمعة أو ما شاء الله أحب إلي من حجة»، ونذكر كثيراً من قصص الصالحين والعلماء الذين كان الواحد منهم يرجع عن حجه لأنه وجد في طريقه محتاجاً فآثره بتكاليف حجه وعاد أدراجه وهو سعيد بأنه فعل ما هو أفضل من الحج، لكن نرى اليوم أن كثيراً من الناس يفضل أن يعدد زوجاته ويكرر حجه على أن ينفق هذه النفقة على من لا مال له ليتزوج أو ليحج لمرة واحدة أو على جوعى افريقيا الذين ينبشون بيوت النمل ليأخذوا طعامه أو منكوبي باكستان الذين لازالوا حتى الآن في العراء تحت الثلج والمطر، أو المرضى المعوزين الذي يضطر أهلهم أحياناً لبيع أعضائهم للإنفاق على علاجهم، وقد قرأت أنه توجد في أمريكا مليون وأربعمائة ألف جمعية خيرية العمل فيها تطوعي بالكامل، وتستوعب 9% من العمالة الوطنية وتسهم بـ6% من الناتج المحلي، وفي بريطانيا توجد حوالى 350 ألف جمعية خيرية تطوعية دخلها أكثر من 17 بليون جنيه استرليني تسهم بـ4% من الناتج المحلي وتستوعب 4% من السكان، فأين نحن من هذا؟ فلا يزال مفهوم اكتساب الحسنات لدينا قاصراً ويمكنني القول حتى أنانياً لدى الكثيرين، وهذا ما يفسر كثرة شكوى العاملين في الهيئات الخيرية من أن فاعلي الخير يصرون مثلاً على بناء مساجد في أماكن تتمتع بكفاية كاملة أو يموت فيها الناس من الجوع وانعدام الرعاية الصحية، فلازال كثير من المحسنين المسلمين يصر على الأعمال التي يوجد فيها نص شرعي بالثواب بدون مراعاة الحاجات التنموية للمجتمعات المختلفة التي لا يجد الناس فيها بداً من الرحيل إلى حيث الإرساليات التبشيرية المسيحية التي تقدم خدمات أكثر تكيفاً مع احتياجات الناس، وجذر المشكلة هو غياب وسائل خلق وعي جديد ومنظور أوسع لفعل الخير، فلازالت الهيئات الخيرية غائبة تماماً عن الإعلام والإعلان، ففي المملكة حيث حجم الإنفاق الإعلاني فيها هو الأعلى عربياً وبلغ للأشهر الخمسة الأولى من عام (2005) أكثر من مليار دولار، أين هو نصيب الإعلانات الخيرية؟ فعلى الهيئات الخيرية أن تراجع سياساتها في تسويق العمل الخيري وتضع في كل وسيلة إعلام مقروءة أو مرئية وحتى عند كل شارع رئيسي لوحة إعلان الكترونية تعلن فيها عن مشاريعها وحجم التمويل المطلوب، فكثير من الناس لا يقدمون على أعمال الخير لأنها لم توضع على رادار اهتماماتهم، والتضييق على العمل الخيري الإسلامي عالمياً يجب أن يكون دافعاً للمزيد من التجويد وإثبات الذات لا الانسحاب من الساحة.
ص.ب 6123 مكة
bushra_sbe@hotmail.com