عندما بدأ صندوق التنمية العقارية عمله المبارك قبل نحو ثلاثين عاماً، وقرر تقديم قروض سكنية للمواطنين فإن واضعي نظامه قدروا أن بناء سكن خاص لمواطن ذي أسرة متوسطة يحتاج إلى نحو خمسمائة ألف ريال، فقرروا أن يكون القرض بنسبة ستين في المائة من تكاليف البناء، ولذلك جعلوا الحد الأعلى للقرض ثلاثمائة ألف ريال، على أساس أن لدى المواطن المتقدم لطلب قرض أرضاً وما نسبته أربعون في المائة من التكاليف أي أن لدى «المليح» مائتي ألف ريال على أقل تقدير!، ولذلك جعلوا الدفعة الأولى من القرض عشرة في المائة فقط لاغير، تدفع للمقترض عند توقيع عقد القرض وبعد رهن الأرض وما يقام عليها من مبانٍ لصالح الصندوق ضماناً للوفاء بمبلغ القرض، وبهذه العشرة في المائة وهي ثلاثون ألف ريال كان المطلوب من المقترض تقديم شهادة معتمدة بأنه أنجز الهيكل الإنشائي كله أي جميع أعمال المسلحات لدور أو دورين ولنحو خمسمائة متر مسطح من المباني المسلحة، فكيف يستطيع من بيده ثلاثون ألف ريال إنجاز مسلحات تكلف خمسة أضعاف هذا المبلغ على أقل تقدير!، وكيف افترض واضعو النظام أن كل طالب قرض لديه أرض ومائتا ألف ريال ومحطوطة في الكادوس!
مثل هذا السؤال الذي تأخر طرحه من قبلي نحو ثلاثين عاماً، لابد أنه طرح صحفياً واجتماعياً من قبل، ولكن الصندوق لم يغير أي شرط من شروطه المتصلة بنظام الدفعات وظل يقدم الدفعة الأولى بنسبة عشرة في المائة مطالباً بإنجاز جميع أعمال الهيكل الإنشائي بما يظن أن المقترض يملكه من قبل وهو أربعون في المائة من تكاليف البناء أي مائتا ألف ريال، مع أن واقع الحال يؤكد أن غالبية المقترضين طفارى حيارى وأن بعضهم انقطع نَفَسَه حتى اشترى أرضاً في مخطط تجاري أو أن الأرض ممنوحة له من بلدية أو أمانة من البلديات والأمانات أو تملكها عن طريق وضع اليد وادعى إحياءها قبل 1386هـ!!، ولذلك نجد أن معظم المقترضين من البنك يضطرون إلى الاقتراض ممن حولهم، إن وجدوا من يقرضهم، أو من البنوك بفوائد، حتى يوفوا أحد شروط البنك وهو أن ينجزوا بالدفعة الأولى «الثلاثين ألفاً» جميع أعمال الهيكل الإنشائي حتى يحق لهم تسلم الدفعة الثانية ومقدارها أربعون في المائة من قيمة القرض أي مائة وعشرون ألف ريال.
هذا الواقع يدعونا إلى رفع رجاء إلى المسؤولين في وزارة المالية وفي مجلس إدارة صندوق التنمية العقارية بإعادة ترتيب شروط ودفعات القرض على النحو التالي:
أولاً: عدم افتراض امتلاك المواطن لما نسبته أربعون في المائة من تكاليف الإنشاء، بل اعتبار مبلغ القرض الذي هو ثلاثمائة ألف ريال لبناء سكن خاص في حدود 250-300 متر مسطح.
ثانياً: جعل الدفعة الأولى المسلمة للمقترض عند توقيع العقد أربعين في المائة بدل عشرة في المائة حتى يتمكن المقترض أن ينجز الهيكل الإنشائي، ثم ترتيب الدفعات على نحو مرن لا يجعل المقترض مضطراً إلى البحث عن قرض آخر يمول به مشروع سكنه الخاص.
ثالثاً: مادام أن الأرض مرهونة فلا خوف من أن يأخذ المقترض الدفعة الأولى ثم لا يبني بها لأنه إن فعل ذلك فهو الخسران، أما حق الصندوق من الدفعة الأولى فيسترد عن طريق بيع الأرض المرهونة لصالحه، فإن قيل إن قيمة الأرض قد لا تساوي في بعض المواقع قيمة الدفعة الأولى عندما تصبح مائة وعشرين ألف ريال، حسب المقترح الآنف الذكر، إن قيل ذلك فإننا نقول إن من حق البنك وضع شرط جديد يضمن به حقه في حالة كون الأرض لا تساوي أربعين في المائة من قيمة القرض، وفي جميع الأحوال فإن مثل هذه المخاوف والاقتراحات لا ينبغي أن تحول دون تفكير واضعي نظام الصندوق في إدخال تسهيلات واقعية لنظام الدفع لاسيما الدفعة الأولى من القرض ولعل دراسة متأنية لما تقدم ذكره تهدي إلى الرشد.. والله الهادي إلى سواء السبيل.