أحيانا هناك أخبار وعناوين ترغم الإنسان على التوقف لتأملها وفهم خلفياتها وأحيانا الإشادة بها، وأحد هذه الأخبار هو خبر استقالة رئيس الشرطة الكندية جوليانو زاكارديلي، متحملاً المسؤولية عن تعرض المهندس الكندي من أصل سوري ماهر عرار للتعذيب بعد قيام الولايات المتحدة الأمريكية باعتقاله في سبتمبر 2002 أثناء توقفه في نيويورك عائدا من رحلة إلى تونس، وبعد 12 يوما من التوقيف أرسل لدولة عربية معروفة بممارستها للتعذيب بناء على معلومات كندية زعمت انه متطرف إسلامي، فسجن في تلك الدولة لسنة تعرض خلالها للتعذيب المستمر ليعترف بجرائم وانتماءات لا يعرف شيئا عنها، وكما هو متوقع فالتعذيب لا يأتي بخير ولا بمعلومات صحيحة فقد وقع عرار على إقرار بتلقيه للتدريب في أفغانستان رغم أنه لم يزرها في حياته، ثم أفرج عنه بضغط كندي، ومن يومها تحولت قضيته إلى ما يشبه الفضيحة الوطنية في كندا، وقادت الصحافة الكندية والمعارضة حملة مناصرة لعرار ضد الحكومة الكندية وطالبت المسؤولين بالاعتذار له والاستقالة، واختارته مجلة «التايم» الأمريكية بطبعتها الكندية ليكون شخصية عام 2004 صانعة الأخبار وقد اعتبرت أن دفاعه عن حقه هو مناصرة لقيم الديمقراطية والحريات في المجتمع الكندي، ورفع عرار قضية عن طريق فريق من المحامين الكنديين ضد اشكروفت المدعي العام الأمريكي وكريتيان رئيس الوزراء الكندي وميللر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية وضد رئيس الشرطة الكندية، وطالب بتعويضات بمئات الملايين من الدولارات، وقد تم تكوين لجنة تحقيق حكومية للتحقيق في تورط السلطات الكندية في هذا الظلم الذي وقع على رجل ليس كنديا بالمولد ولا مسيحيا إنما هو مسلم ملتحٍ وملتزم وزوجته محجبة، وقد أدانت هذه اللجنة مشاركة جهات كندية في تقديم معلومات غير صحيحة عن علاقة عرار بالقاعدة وبناء عليها تعرض لما تعرض له، فتقدم رئيس الشرطة الكندية بالاعتذار العلني لعرار وعبر عن عميق أسفه لما تسبب به من وقوع «الظلم الفظيع» والألم على عرار وعائلته، لكن الصحافة والمعارضة ظلت تطالب رئيس الشرطة بالاستقالة، فقد استفظع الكنديون تعرض إنسان بريء ولو انه ليس أصلا من أرضهم ولا من دينهم ولا من عرقهم، للظلم بسببهم رغم أنهم لم يتخلوا عنه ولاحقوا قضيته وضغطوا حتى تم الإفراج عنه، وإلا لكان الآن يقبع في جوانتانامو ويتعرض لأنواع الاعتداءات وقد يقتل ويقال إنه انتحر، وأخيرا وتحت الضغط الشعبي استقال رئيس الشرطة تحملا منه للمسؤولية عما تعرض له عرار، بينما طالب الأخير باعتذار علني من رئيس الوزراء الكندي شخصيا، وحقا عندما يقرأ الإنسان ما سبق لا يملك إلا أن يتذكر الحديث النبوي التالي، قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال له عمرو أبصر ما تقول، قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالا أربعا إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك) «مسلم» وقال ابن تيمية (إن الله لينصر الدولة الكافرة العادلة ويديمها ويهزم الدولة المسلمة الظالمة ويزيلها). ولعله من التواضع الواجب للحق أن نتوقف ونتأمل تفاعلات وخلفيات قضية عرار في كندا لندرك لماذا الغرب وصل إلى ما وصل إليه من علو في الازدهار والرقي ولماذا نحن عند هذا الدرك من سلم التنمية والتقدم.
bushra_sbe@hotmail.com