ماذا يحدث في العراق؟ من وراء الجثث المجهولة؟ من وراء أعمال عنف عديمة المعنى كقتل عمال مخبز أو تفجير موكب عرس؟ أسئلة لم تعد إجابتها بالغامضة بعد أن افتضحت ديناميكية استغلال الحساسيات الطائفية وتأجيجها لتتحول لسلاح وورقة ضغط لقوى الداخل والخارج حتى في داخل الانتماء الطائفي الواحد من أجل مصالح سلطوية، فقبل الاحتلال لم يعرف العراق الحزازات الطائفية، وأعمال القتل الطائفي التي تحدث الآن ليست مجرد فعل ورد فعل، ولنراجع أبرز منعطف أدى لانفجار الوضع الطائفي وصولا إلى الوضع المروع الذي نراه الآن وهو حدث انفجار ضريح سامراء، حيث بدأت بعده موجة واسعة ومنظمة من الخطف والتعذيب والقتل للسنة وتخريب لمساجدهم وقتل لعلماء الدين وتهجير واسع للعراقيين على أساس طائفي. وحسب الأمم المتحدة هُجّر مليونا عراقي داخل العراق بسبب العنف الطائفي في أكبر هجرة جماعية بعد التهجير الفلسطيني، ومثل هذا الرقم أيضا هُجّر لخارج العراق منذ الاحتلال، والهدف أعلنته الأحزاب العراقية التي تنادي بالفيدرالية، أي تقسيم العراق على أساس طائفي وعرقي، لكن هل يمكن أن تصل الرغبة في تحقيق هذه الغاية على الأرض لدرجة فبركة اعتداءات طائفية لتبرير ردات فعل شاملة تعيد تشكيل التوزيع الطائفي السكاني على الأرض؟! فحسب تصريح وزير الداخلية العراقي في أعقاب تفجير سامراء أن 35 عنصرا من قوة حماية المنشئات كانوا يحرسون الضريح، وحسب تصريح موفق الربيعي مستشار الأمن القومي أن خمسة أشخاص يرتدون ملابس مغاوير الشرطة التابعين لوزارة الداخلية التي هي تحت الإدارة الشيعية جاؤوا إلى الضريح وتغلبوا على 35حارسا مسلحا بدون أن يلحقوا بهم خدشاً واحداً إنما فقط ربطوهم وفخخوا الضريح وانصرفوا، مع العلم أن حظر التجول كان مفروضا حول منطقة المرقد منذ اليوم السابق للحادثة وكان المرقد مطوقا بالقوات الأمريكية وقوات الحرس الوطني قبل دقائق من الانفجار، ولذلك لم يصب ولا شخص واحد في التفجير، وقد نقل السكان المحيطون بالضريح شكوكهم للصحفيين حول دور القوات الأمريكية والعراقية في الحادثة، فتمت تصفية المذيعة أطوار بهجت، وفي البداية عندما كانت هناك إرادة في عدم تأجيج الفتنة الطائفية استعمل الأمريكيون مليشيات البشمرجة الكردية السنية كما في حصار الفلوجة، لكن بعض الجهات في إدارة الاحتلال رأت مصلحة في تأجيج الفتنة الطائفية ونذكر حادثة القبض على جنديين بريطانيين في البصرة-2005-كانا يقومان بزرع متفجرات في معلم شيعي متنكرين بملابس عربية ومعهم سيارة محملة بالمتفجرات، وأرادت أطراف عراقية محاكاة النموذج الكردي الذي يتمتع فيه الأكراد باستقلال إداري فالتقت المصالح وبدأ اللعب بالورقة الطائفية، فالهدف هو تقسيم العراق على أرض الواقع بإعادة تشكيل الوضع السكاني عبر خطط تهجير قسري بقوة الإرهاب الطائفي وتصفية القيادات العلمية والأكاديمية لإحلالها طائفيا وعرقيا، والهدف ليس أيديولوجيا محضاً خاصة لو عرفنا أن 9مليارات دولار من عائدات النفط العراقي نهبت بين يدي الأطراف المشاركة في الحكومة وسنويا ومنذ الاحتلال ينهب حوالي 4 مليارات دولار من قبل هذه الأطراف. ورغم رفض الأمريكيين لوجود كيان شيعي حليف لإيران، إلا أن الميليشيات خرجت عن سيطرة الأمريكيين الذين شجعوها في البداية وصارت تنفذ أجندتها الخاصة التي تضغط بها حتى على الأمريكيين حسب تصريحات مسؤولين في البنتاجون، وذلك لإيصال العراق لحالة من الاحتقان الطائفي الذي لا يبقى معه أمام الأمريكيين الذين يتعرضون لضغوط داخلية لسحب قواتهم إلا القبول بالتقسيم لمنع وقوع حرب أهلية طائفية تؤدي لزعزعة أسواق النفط وتستلزم تمديد فترة بقاء قواتهم.
bushra_sbe@hotmail.com