منذ عدة أيام، وعلى مدار ثلاثة أيام كاملة، احتفلت دولة تونس الشقيقة بمرور ستمائة عام على وفاة مؤسس علم الاجتماع بمفهومه الحديث، والملقب بفيلسوف التاريخ عبدالرحمن بن خلدون.
وقد تضمن هذا الاحتفال مؤتمراً ضم مجموعة من الباحثين من مختلف دول العالم عن هذا العبقري الذي وضع لنا مقدمة تحوي فكراً لكل الخلفيات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والعقدية، والثقافية، كما كانت آراؤه ونظرياته في تلك المجالات سبباً في تغيير وجه التاريخ، وذلك عن طريق تحليله كذلك لجوانب الحكم، والسياسة، والاجتماع، والفنون، والآداب.
لقد بان من خلال هذه المقدمة أن الرجل صاحب فكر ورؤية في دراسة التاريخ، وأحوال البشر، وتحليله للتاريخ يلامس جوانب متعددة من أحوالنا الآن، فقوله: (من الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار، ومرور الأيام) يجسد لنا واقعاً نعيشه في بعض بلداننا العربية والإسلامية.
وقوله: (إن الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء) يجسد لنا صورة العراق العربي المسلم الآن، وما يمر به من تبدل في الأحوال، وانهيار في اقتصاد، وفتن طائفية طالما أزهقت الأرواح).
وبات العراق يصارع الآن من أجل البقاء، والبحث عن هويته التي توشك على الفقدان.
إن ابن خلدون يمثل أمة وحده في فلسفة التاريخ، وأحوال البشر، ونحن إذا أعدنا قراءة مقدمته بروح عصرية، وربط ما ورد فيها مع الأحداث التي تتوالى علينا الآن، أمكننا الوقوف على حل كثير من المشاكل السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي تمر بها بعض البلدان العربية والإسلامية.
من يقرأ مقدمة ابن خلدون، ويقرأ مقولاته فيها يجد أنه يضعنا الآن أمام حاضر نعيشه، لأن كل مقولة من مقولاته تصلح لأن تكون عنواناً لقضية عصرية أخذت من ضمن ما أخذت بعض المصطلحات التي نرددها الآن، مثل: الديمقراطية، والديكتاتورية، والفساد..
فإذا كان ابن خلدون العربي قدم لنا النظريات التي تحل كثيراً من المشاكل، وإذا كان له فضل استنباط العلوم الاجتماعية، لماذا لا نستفيد من مرئياته، وتحليلاته التي طالما أخذ كثير من الغربيين إياها وأفادوا منها؟!!
ليتنا نعود إلى ماضينا لنربطه بمستقبلنا حتى نحقق أمانينا، والعودة إلى فكر رجل كابن خلدون وإلى مقدمته، لاشك أنها ستضمن لنا الحل لكثير من المشاكل التي باتت تحاصر معظمنا، ونبحث لها عن حل.
Dr_Rashed@hotmail.com