ذات عام كنت في زيارة لباكستان فلاحظت أن في بعض مدنها ومنها العاصمة إسلام أباد، عدداً وافراً من طيور الغربان، فعلى كل شجرة من أشجارها نحو عشرة غربان فاحمة تصيح: واق.. واق!، فعجبت مما رأيته وسألت عنه فعلمت من إخوة باكستانيين وسعوديين لهم علاقة عمل وتواصل ورحم وجذور بالقارة الهندية أن هذه القارة مشهورة بصفة عامة منذ مئات السنين بوجود وكثرة طيور الغربان فيها، وأن بعض الرحالة العرب الذين زاروا أجزاء من القارة الهندية لاحظوا كثرة الغربان في القارة، فأطلقوا على الأرض التي شاهدوا فيها هذه الطيور اسم بلاد الواق واق وهذا لا يعني أن اسم الهند لم يكن معروفاً لديهم لأن الهند ذات تاريخ حضاري عريق يمتد منذ آلاف السنين، ولكن المقصود أن العرب الذين سافروا إلى القارة الهندية وزاروا أو سكنوا في أجزاء منها ثم أطلقوا على تلك الأجزاء اسم بلاد واق الواق لأنهم سمعوا غربانها «توقوق» ولعلهم لم يكونوا يعلمون أن شبه القارة الهندية اسم عريق يشمل جميع أراضيها قبل أن تتحول إلى ثلاث دول في العصر الحديث هي الهند وباكستان وبنجلاديش.
أما سبب فتحي لهذا الموضوع وتذكره، فهو ناتج عن متابعتي لحكاية الهجمة «الغربانية» السائدة حالياً على مدينة جدة، التي وصلت إلى حد الخطر الداهم على صحة البشر، وما جرى من معارك لمحاربة ما يربو على نصف مليون غراب فاحم أصبحت جدة وكراً لها وأشجارها ملجأ وأعشاشاً لبيضها وصغارها.
فكان لابد من التساؤل عن أسباب وجود وتكاثر طيور الغربان في «دردبيس» البحر الأحمر التي كانت عروساً!، مع أنها لم تكن من قبل موطناً للغربان، وقد فهمت من مواد صحفية ومعلومات بيئية أن للطيور عامة هجرات سنوية عبر القارات وأن المتوقع هو أن تكون الغربان قد وصلت إلى جدة وهي في طريقها من شبه القارة الهندية إلى افريقيا لأسباب طبيعية وقد يكون من بينها أن القارة الافريقية في وقت الشتاء القارس الذي يجتاح مناطق وجودها وتكاثرها في القارة الهندية، فلما مرت على جدة لاحظت بغريزتها أن هذه المدينة الساحلية لا يفصل بينها وبين الشواطئ المقابلة سوى عرض البحر الأحمر، لاحظت أن الدفء متوفر فيها، وكذلك الأشجار الباسقة، مع وفرة في النفايات وبقايا الأطعمة المكدسة في مواقع تجميع النفايات الأمر الذي جعل فرقة من الغربان تحط رحالها في جدة وتستوطنها وتتكاثر حتى أصبحت جيشاً جراراً.. وكان الله في عون فرق المكافحة على هذا الجيش الجرار..!